تقدير موقف
ما سيحدث في باكستان ليس بمفاوضات أمريكية-إيرانية، بل قمة أمريكية-ايرانية لوقف الحرب عندما تنتهي ستكون هناك مرحلة ما بعد الحرب وخارطة نفوذ سياسي جديدة.
من الواضح ان ترامب متلهف لصفقة مع ايران ليفرض خارطة نفوذه السياسي الجديدة بالمنطقة، وإيران ستكون حريصة على ابرام صفقتها مع أمريكا ليستمر النظام.
لكن إيران (بعد ان قامت أمريكا وإسرائيل بتصفية خطها الاول من المحافظين المتشددين) ممكن ان تشهد انتقال فكري اصلاحي كبير وعقيدة مختلفة مبنية على ايديولوجية الاصلاحين الذين سيقودن إيران للمرحلة القادمة، وهذه الايديولوجيا ستكون مرنة مع امريكا وهدفها سيكون اقتصادي وليس عقائدي وتبعد إيران عن الصراع في الشرق الأوسط عقائديا الى إيران اقتصادية بمكانة مختلفة دوليا.
إيران ستتنازل عن مشروعها النووي وتحجم مشروعها الصاروخي مقابل امتيازات اقتصادية امريكية، مع ضمانات ايرانية لتخفيض العداء الفكري والايديولوجي لدول المنطقة ومنها اسرائيل، وستكتفي بخطاب السلام بالمنطقة.
الصفقة الايرانية الامريكية القادمة ستكون خارطة نفوذ جديدة بالمنطقة وهذه الخارطة باختصار ستشهد تغير فكري في الايديولوجية الايرانية من التشدد الى الاصلاحية كمرحلة اولى.
هذه الصفقة ستظهر قضايا اخرى الى السطح في المنطقة والتي مستقبلا ستكون سبب في سقوط أنظمة وانهيار اقتصاديات في الشرق الأوسط.
اتفاقية بين الإدارة الأميركية وإيران في باكستان
في العلن على أنها مبادرة باكستانية، غير أنّها في الخفاء لا تعدو كونها مسرحية سياسية محكمة، تُوِّجت عبر ورقةٍ مرّرتها واشنطن إلى الجانب الباكستاني لتُقدَّم لاحقًا بصيغة الوسيط.
وفي مثل هذه المشاهد، تبدو الولايات المتحدة اللاعب الأكبر، فيما يتحوّل الآخرون إلى أدواتٍ تُدار وفق إيقاع مصالحها.
اتفاقية لم تأتِ إلا بما أرادته إدارةٌ تتقن فرض شروطها، حتى وإن بدت للعالم وكأنها تنازلٌ أو خطوة نحو التهدئة. فهي لا تتحرّك إلا ضمن حسابات دقيقة، توازن فيها بين مصالحها الاستراتيجية وحاجتها إلى ضبط الإيقاع الإقليمي، لا إنهائه.
في الخلاصة، فإن إيران ليست العراق ولا ليبيا؛ فهي دولة تمتلك أدوات قوة متعددة، ونفوذًا متشعّبًا، وشبكة تحالفات تجعل من إسقاطها أو احتوائها أمرًا أعقد بكثير من تجارب سابقة.
في المقابل، تبدو دول مجلس التعاون الخليجي أكثر ميلًا إلى إنهاء هذا التصعيد، لا حبًا بإيران ولا ثقةً بها، بل خشيةً من تمدّد الفوضى إلى ساحاتها، حيث الاستقرار الاقتصادي والأمني خط أحمر لا يمكن المجازفة به.
أما المشهد اللبناني، فيبقى الأكثر هشاشةً وتعقيدًا، لا يُعرف إن كانت أي هدنة محتملة ستشمل لبنان، والأرجح أنها لن تفعل، إذ غالبًا ما يُترك ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات. ويبدو أن الجانب الإسرائيلي ماضٍ في تعميق حضوره العسكري في الجنوب اللبناني، مستفيدًا من واقعٍ داخلي مأزوم. اما حزب الله، ما تزال صواريخه تُطلَق باتجاه إسرائيل بوتيرة مرتفعة، ما يُبقي المنطقة على حافة اشتعال دائم، ويمنع أي استقرار حقيقي من التبلور.
أما الدولة اللبنانية، فتقف عاجزةً عن بسط سلطتها حتى ضمن الحد الأدنى من المعايير السيادية.
تتصرف وكأنها قادرة على التفاوض مع “نمر”، فيما رأسها عالق بين فكيه، في مشهدٍ يلخّص حجم التناقض بين الطموح والواقع.
داخليًا، تتراكم الأزمات بشكلٍ يكاد يكون غير مسبوق:
عام دراسي يكاد ينعدم، انتخابات نيابية مؤجلة، انهيار اقتصادي يضرب كل مفاصل الحياة، وتفشّي ظواهر غسيل الأموال من كل حدبٍ وصوب، في ظل خطابات سياسية لا تنتهي، لكنها لا تنتج حلولًا.
