المتروبوليت جورج إسكندر
رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك
صباح أمس، وقفت أمام فيديو لم يكن كغيره من الفيديوهات التي اعتدنا رؤيتها في زمن الحرب. لم أرَ فيه مجرد جرافة إسرائيلية تهدم المقر الصيفي لمطرانية صور للروم الملكيين الكاثوليك في يارون، بل رأيت مشهدًا أكثر قسوة: ذاكرة تُقتلع، وخدمة تُدفن تحت الركام، وصفحة من حضور الكنيسة في الجنوب تُمحى أمام قرية خالية من أهلها، لكنها لا تزال ممتلئة بتاريخهم وصلواتهم وذكرياتهم.
ذلك المقر لم يكن مبنى عاديًا. .
هو مدرسة تديرها الراهبات الباسيليات المخلصيات، لم تكن مجرد صفوف دراسية، بل مكانًا تُصنع فيه أحلام الأطفال، وتُزرع فيه قيم العلم والانفتاح والمحبة.
لكن مأساة يارون لم تبدأ بالأمس.
منذ الأسبوع الأول للحرب التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول، استُهدفت كنيسة مار جاورجيوس الرعوية، وكأنّ الألم أراد أن يضرب أولًا قلب الجماعة المؤمنة، المكان الذي اجتمع فيه الناس للصلاة والتعزية والرجاء.
وبعدها، قُصف بيت أبونا بشارة، وهو منزل مخصص للرسالة والخدمة الرعوية، فأزيل بالكامل.
ثم هُدم مزار القديس جاورجيوس، ذلك المزار الصغير في حجمه، الكبير في معناه، حيث كان المارّة يرفعون صلاة سريعة، وتودع الأمهات قلقهن أمام الله.
وقبل أيام، هُدمت أيضًا القاعة الرعوية التي كانت تحتضن حجرًا من كنيسة يارون باركه قداسة البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان، ليكون علامة البداية لإعادة بناء كنيسة مار جاورجيوس. كان ذلك الحجر وعدًا صامتًا بأن القيامة ممكنة، حتى بعد الألم. وحين هُدمت القاعة، بدا وكأن أحدهم يحاول أن يهدم حتى فكرة النهوض نفسها.
ولم يتوقف المشهد عند المؤسسات الكنسية. بيوت الناس أيضًا هُدمت.
وفي يارون، لم يكن الدمار مسيحيًا أو مسلمًا.
منازل القرية، بمسيحييها ومسلميها، تساوت في الهدم، كما جُرحت الكنيسة والجامع معًا. هناك، سقطت الحجارة على الجميع بلا تمييز، كما لو أنّ الحرب، حين تفقد ضميرها، لا تعود ترى إنسانًا، ولا بيتًا، ولا مكان عبادة.
لهذا لا أبكي اليوم على أملاك كنسية، بل على قرية بكاملها جُرحت في روحها، وعلى نموذج عيش واحد حفظه أهل يارون لعقود طويلة.
هذه الأماكن لم تكن أهدافًا عسكرية.
المدرسة ليست خطرًا.
مكان الصلاة ليس خطرًا.
بيت العائلة ليس خطرًا.
الخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح الرحمة نفسها هدفًا، وحين يُنظر إلى أماكن التعليم والصلاة والخدمة والسكن كأنها مجرد حجارة قابلة للإزالة.
ومع ذلك، نحن نرفض أن تكون الكراهية جوابنا.
لن نردّ على الدمار بلغة الحقد، لأن الحقد يهدم داخل الإنسان أكثر مما تهدمه الجرافات في الخارج.
لكننا أيضًا نرفض الصمت الذي يقتل الحقيقة.
من حقنا أن نقول إن ما جرى في يارون ليس مجرد حدث عابر، بل جرح في ضمير الإنسانية.
ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة لا تستطيع أي جرافة أن تهدمها:
قد تُهدم المدرسة، لكن التربية لا تُهدم.
قد يُهدم المزار، لكن الصلاة لا تُهدم.
قد تُهدم الكنيسة والجامع، لكن الله لا يسكن في الحجر وحده.
في يارون، سقطت الجدران، لكن الرسالة لم تسقط.
ومن بين هذا الركام، سنعيد بناء ما تهدّم.
سنبني الحجر حين يحين الوقت.
لكن قبل الحجر، سنحافظ على الإنسان.
سنحافظ على الذاكرة.
سنحافظ على معنى العيش الواحد الذي ميّز هذه الأرض.
وسنبقى نؤمن أنّ الجنوب الذي عرف الألم قادر أيضًا أن يصنع قيامة جديدة.
إلى أبناء يارون، مسيحيين ومسلمين، أقول: أنتم لستم وحدكم.
وإلى العالم، أقول: انظروا جيدًا إلى هذه القرية الصغيرة، لأن ما يُهدم فيها ليس مجرد أبنية، بل جزء من كرامة الإنسان.
أما نحن، فسنبقى كما كنا دائمًا:
نزرع الرجاء حيث يُزرَع الخوف،
ونرفع الصلاة حيث يتصاعد الغبار،
ونؤمن أنّ الحجارة قد تسقط…
لكن الرسالة تبقى.
المتروبوليت جورج إسكندر
رئيس أساقفة صور للروم الملكيين الكاثوليك
