يواجه الأمن القومي العراقي معضلة خفية لا يمكن تجاوزها بسهولة، تتمثل في السلاح الخارج عن سلطة القوات الرسمية. ويمكن تصنيف هذا السلاح إلى صنفين:
الأول: فصـ ـائل المقـ ـاومة، وهو سلاح ذو هوية شبه محددة، موجّه ضد الوجودين الأمريكي والإسـ ـرائيلي، بوصفه جزءاً من محور ممانعة عابر للحدود يشمل دولاً أخرى. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة صدقية هذا الطرح، إذ انخرطت هذه الفصائل في مواجهة ذات طابع يتجاوز الإطار المحلي إلى شبه العالمي.
الثاني: سرايا السلام.
تأسس هذا الكيان بعد نحو شهر ونصف من انطلاق عمليات استعادة الأراضي عام 2014، إلا أنه سرعان ما تخلّى عن جملة من الضوابط التي أضحت لاحقاً مصدر تهديد للأمن الاجتماعي والسلم الأهلي.
شاركت السرايا في ثلاث معارك رئيسية من أصل اثنتين وعشرين عملية قتالية (جرف النصر، سامراء، آمرلي)، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى ما يشبه كارتيل يدير شبكات متداخلة من النشاطين السياسي والاقتصادي، لصالح شخصيات مرتبطة بمقتدى الصدر، الزعيم الأعلى للسرايا.
هذا التحول أفضى إلى تصاعد خلافات حادة بين القيادات الأساسية والثانوية، وأنتج خطوطاً منشقة استثمرت عقوبة “الطرد” التي تفرضها القيادة العامة، لتتحول إلى كيانات تمارس أعمالاً عدائية خارج أي إطار رقابي أو مساءلة أمنية.
عجزت القوات الأمنية عن التعامل مع أفراد وقيادات هذا الكارتيل، ما ساهم في تغوّل بعض الوحدات، كما ظهر في حالات مثل “أبو درع اللامي”، وقبله “أبو كاظم الفرطوسي”، و”العيساوي”، و”أبو أكثم”.
ورغم تباين أهداف هذه الأسماء، إلا أن القاسم المشترك بينها هو خروجها عن سيطرة القيادة لأسباب متعددة، في وقت تبدو فيه القوات الأمنية، داخل مناطق نفوذ السرايا، عاجزة تماماً عن التعامل معهم كعصابة منظمة، دون الحصول على تطمينات أو موافقات من القيادة العليا أو من مقتدى الصدر شخصياً.
تمتلك سرايا السلام قدرات لوجستية كبيرة حصلت عليها عبر الألوية المشاركة في العمليات، إضافة إلى التجهيزات التي وفرتها هيئة الحشد الشعبي آنذاك. إلا أن الملاحظ أن ما استُخدم فعلياً في العمل القتالي لا يتجاوز 10% منها (بحكم اقتصار أغلب واجباتهم على مسك الأرض)، فيما جرى توزيع النسبة المتبقية داخل المناطق السكنية لأغراض سبق ذكرها.
