القاضي د. بيتر جرمانوس
منذ دخول لبنان حرب 1948 ضد إسرائيل، من دون أن يكون قد تعرّض لاعتداء مباشر يبرّر استعمال القوة وفق منطق القانون الدولي الحديث، دخلت الدولة اللبنانية في مسار طويل من الالتزامات التي وُقّعت أو قُبلت أو صدرت عن مجلس الأمن، ثم جرى تعطيلها أو تجاوزها أو تركها بلا تنفيذ فعلي.
أول هذه الالتزامات كان وقف إطلاق النار والهدنة العامة بعد حرب 1948. فالقرار 62 الصادر عام 1948 دعا إلى إقامة هدنة بين إسرائيل والدول العربية، ثم جاء اتفاق الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية في 23 آذار 1949 ليؤكد الامتناع عن استعمال القوة، واحترام خط الهدنة (الحدود الدولية)، ومنع الأعمال العدائية. وقد اعتُبر القرار 73 لعام 1949 أن اتفاقات الهدنة حلّت محل ترتيبات الهدنة السابقة وشكّلت خطوة نحو السلام الدائم.
بعد ذلك، جاء اتفاق القاهرة عام 1969، وهو من أخطر المحطات، لأنه سمح لمنظمة التحرير الفلسطينية باستعمال الأرض اللبنانية كمنصة عسكرية. لم يكن الاتفاق انسجاماً مع منطق سيادة الدولة، بل كان تنازلاً عن السلطة الأمنية، وأدّى إلى ضرب اتفاق الهدنة لعام 1949 من الجانب اللبناني طبعاً.
عام 1978، وبعد عملية فلسطينية انطلقت من لبنان، صدر القرار 425 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، كما صدر القرار 426 الذي أنشأ قوات اليونيفيل. غير أن جوهر القرار لم يكن الانسحاب الإسرائيلي فقط، بل أيضاً مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب. هذا الشق بقي معطلاً بسبب استمرار السلاح الفلسطيني غير الشرعي.
عام 1982، صدرت قرارات عدة، أبرزها 508 و509 و520. القرار 508 دعا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، والقرار 509 طالب إسرائيل بالانسحاب، أما القرار 520 فأكد احترام سيادة لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وخروج كل القوات الأجنبية. لكن لبنان بقي ساحة مفتوحة: إسرائيل في الجنوب، سورية في الداخل، والفصائل الفلسطينية والتنظيمات المسلحة فوق الدولة.
في 17 أيار 1983، وُقّع اتفاق الانسحاب والترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية. كان الهدف منه إنهاء حالة الحرب وتنظيم الانسحاب وإعادة السلطة اللبنانية إلى الجنوب. لكن الاتفاق سقط تحت الضغط السوري والايراني والداخلي، فأُجهضت فرصة قانونية كان يمكن أن تنهي الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية مبكراً.
عام 1989، جاء اتفاق الطائف ليضع قاعدة واضحة: حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة. عملياً، نُفّذ هذا المبدأ انتقائياً، إذ سُلّمت أسلحة معظم الميليشيات المسيحية، بينما بقي سلاح حزب الله والمخيمات خارج سلطة الدولة بحجة المقاومة. وهنا بدأ الانحراف القانوني الأكبر: دولة واحدة، لكن قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.
عام 2004، صدر القرار 1559 مطالباً بانسحاب القوات الأجنبية، وحلّ جميع الميليشيات، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. ثم جاء القرار 1680 عام 2006 ليؤكد مضمون 1559، ويدعو إلى ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية، وضبط انتقال السلاح، ونزع سلاح الميليشيات.
بعد حرب تموز 2006، صدر القرار 1701، وهو أهم نص دولي معاصر بشأن الجنوب. القرار نصّ على وقف الأعمال العدائية، وانسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل، ومنع وجود أي سلاح أو قوة مسلحة جنوب الليطاني غير الجيش اللبناني واليونيفيل. كما أكد ضرورة نزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان، ومنع إدخال السلاح من دون موافقة الدولة.
لكن هذا القرار بقي منفذاً بالشكل لا بالمضمون. فقد انتشر الجيش واليونيفيل، لكن السلاح غير الشرعي بقي، والبنية العسكرية لحزب الله استمرت وكبرت، وتحوّل جنوب الليطاني تدريجياً إلى منطقة ازدواج أمني لا إلى منطقة سيادة لبنانية كاملة.
في 8 تشرين الأول 2023، ربط حزب الله الجبهة اللبنانية بحرب غزة، فأعاد لبنان عملياً إلى حرب لم تقررها الدولة اللبنانية. وهذا السلوك شكّل خرقاً مباشراً للقرار 1701، لأنه أعاد استعمال الأراضي اللبنانية لشن عمليات عسكرية خارج قرار المؤسسات الدستورية.
ثم جاء ترتيب وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، مؤكداً مجدداً أن لبنان ملزم بمنع حزب الله وسائر الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، وأن السلاح يجب أن يكون بيد القوى الرسمية فقط. وهذا الترتيب لم يأتِ بجديد من حيث المبدأ، بل أعاد تكرار ما قالته الهدنة، والطائف، و1559، و1680، و1701: لا دولة حقيقية من دون حصرية السلاح.
