كتب عماد رزق
في مثل هذا اليوم منذ 50 عاما.. في الاول من حزيران 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان، لماذا وماذا تغير؟
في ٣١ ايار ١٩٧٦، وبعد نقاشات حادة طويلة، اتخذ الرئيس حافظ الأسد قراره بإرسال القوات إلى لبنان. في ١ يونيو ١٩٧٦، دخلت القوات العسكرية السورية رسمياً إلى لبنان. ورغم أن قوات محدودة كانت قد تسللت سابقاً بموافقة أمريكية وعدم ممانعة إسرائيلية، فإن هذا التدخل كان الأول من نوعه علني ورسمي.
بين الاسباب وتشابك المصالح.. لماذا دخل الجيش السوري إلى لبنان؟
تعددت الأسباب وتشابكت، ولم يكن القرار ناتجاً عن عامل واحد:
اعتبارات المؤسسة العسكرية: تحول الجيش السوري في مطلع السبعينيات إلى عمود أساسي للنظام. خدم التدخل في توظيف القدرات العسكرية المتنامية لأدوار خارجية تعزز الأمن والنفوذ والاستقرار الداخلي.
ما بعد حرب تشرين ١٩٧٣: بعد خروج مصر تدريجياً من الصراع مع إسرائيل، وجدت سوريا نفسها تملك جيشاً كبيراً لكن نفوذها الإقليمي تراجع. أصبح لبنان ساحة تسمح بتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي.
الضغوط الاقتصادية: واجهت سوريا في مطلع ١٩٧٦ ضغوطاً متزايدة: تراجع المساعدات النفطية العربية، إيقاف مشاريع استثمارية بنحو ٥٠٠ مليون دولار، وقرار العراق وقف ضخ النفط عبر الأراضي السورية. كما تسبب عودة العمال السوريين وتدفق اللاجئين اللبنانيين بضغوط إضافية.
المسائل الأمنية الداخلية: تصاعدت التوترات في حماة بعد اعتقال الشيخ مروان حديد ووفاته في المعتقل، تلتها أعمال عنف واغتيالات. أعلنت جماعة الإخوان المسلمين الثامن من شباط موعداً لانطلاق «النضال العام»، مما دفع النظام للتوجه إلى لبنان لقطع أي عمق محتمل لانتفاضة داخلية.
النظرة السورية للبنان (الخاصرة الرخوة): عندما ناقشت بعض القوى اللبنانية تقسيم لبنان في ٦ يناير ١٩٧٦، رد وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام: «كان لبنان جزءاً من سوريا ولسوف نعيده». تعكس هذه النظرة رفض الحكومات السورية المتعاقبة استقلال لبنان الكامل.
فرضية تحالف الأقليات: سعى حافظ الأسد لحماية المسيحيين اللبنانيين من الزوال، انطلاقاً من فكرة «تحالف الأقليات». بعد خطاب الأسد في ٢٠ يوليو ١٩٧٦، قال بيار الجميل: «لماذا الاحتماء بالغرب أو فرنسا، طالما أن سوريا هي الملاذ؟».
منع سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية: لم يكن الأسد مستعداً للسماح لياسر عرفات بالسيطرة على لبنان وأن يصبح صاحب الكلمة العليا في القضية الفلسطينية.
نتيجة العملية ونهايتها
حوّل التدخل العسكري السوري لبنان جذرياً. قاتلت القوات السورية منظمة التحرير الفلسطينية وتحالفت مع قوى لبنانية لتنقلب عليها مع الاجتياح الإسرائيلي الاول لبيروت عام 1982. وبدلاً من أن يكون تدخلاً مؤقتاً، استمر الوجود العسكري السوري في لبنان لنحو ثلاثة عقود.
انتهت العملية رسمياً بالانسحاب السوري من لبنان في أبريل 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير ٢٠٠٥ والاحتجاجات الشعبية الواسعة من انتفاضة الاستقلال الى ثورة الأرز والضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا. كان قرار مجلس الأمن ١٥٥٩ (٢٠٠٤) قد دعا بالفعل إلى الانسحاب السوري، سرع اغتيال الحريري وتيرة العملية. فأكملت سوريا انسحاب قواتها بحلول ٢٦ أبريل ٢٠٠٥، منهية ٢٩ عاماً من الوجود العسكري المباشر الذي بدأ في ١ يونيو ١٩٧٦.
بعد خمسين عاماً على ذلك القرار، لا تزال الأسئلة قائمة:
هل كان التدخل دفاعاً عن لبنان أم عن النظام السوري؟ هل كان حماية للمسيحيين أم منعاً لدولة فلسطينية داخل دولة لبنانية؟ هل كان دفاعاً عن وحدة لبنان أم تثبيتاً للنفوذ السوري؟ مهما تكن الإجابات، فإن قرار ١ يونيو ١٩٧٦ يبقى أحد أكثر القرارات تأثيراً في تاريخ شرق المتوسط الحديث.
