د. عبدالخالق آل عيسى ـ كاتب عماني
في مشهد يعكس تعقيدات الواقعية السياسية (Realpolitik)، شهدت الساعات الماضية سماح طهران لعدة ناقلات نفط متجهة إلى الهند بالعبور من مضيق هرمز تحت غطاء “الاحتياجات الإنسانية”. إلا أن هذا التبرير المعلن لا يحجب خلفه المقايضات الاستراتيجية (Strategic Bartering) التي جرت في الكواليس؛ فالثمن السياسي والمالي الذي دفعته نيودلهي سيظل طي الكتمان حتى تظهره موازين القوى في القادم من الأيام.
معضلة “السيادة والاقتصاد” في الداخل الهندي
يأتي هذا الإفراج الإيراني بعد أسبوع واحد من إطلاق الهند لثلاث ناقلات نفط إيرانية كانت محتجزة استجابةً لضغوط أمريكية مباشرة من إدارة ترامب (سابقاً). هذا الامتثال الذي وصفه نواب في البرلمان الهندي بـ “التبعية الجيوسياسية”، شكل تهديداً بنيوياً للأمن القومي الهندي؛ فالاقتصاد الهندي يعتمد بشكل عضوي على نفط الخليج، خاصة بعد الانصياع للأوامر الأمريكية بوقف استيراد النفط الروسي، مما وضع البلاد في حالة من الهشاشة الاستراتيجية.
إعادة تموضع القوى في شرق ووسط آسيا
لا تقتصر هذه الديناميكية على الهند وحدها، بل تمتد لتشمل اليابان، كوريا الجنوبية، إندونيسيا، الفلبين، وتايوان. فبينما اتخذت بقية دول المنطقة مواقف الحياد الإيجابي، انخرطت هذه الدول الخمس في اصطفافات مضادة للتوجهات الإقليمية، مما أحدث فجوة بين قرارات الحكومات وبين النخب البرلمانية والاقتصادية التي ترى في هذا التوجه خطراً داهماً.
وما زاد من حدة الأزمة هو قرار واشنطن الأخير بسحب وتفكيك منظومات دفاع جوي حيوية (مثل Patriot و THAAD) من هذه الدول، ونقل مخزونات الذخيرة الاستراتيجية لدعم الأسطول العامل في بحر الصين. هذا “الفراغ الأمني” أدى إلى:
* انكشاف الأمن القومي لكوريا الجنوبية وتايوان.
* تحفيز القوى الإقليمية (الصين وكوريا الشمالية) على إجراء مناورات عسكرية توحي بالاستعداد لـ تغيير الوضع الراهن (Status Quo)، مستغلةً انشغال الولايات المتحدة بحروب الاستنزاف في الشرق الأوسط.
استراتيجية إيران: من الاستنزاف إلى التعددية القطبية
تتبنى إيران في صراعها الحالي مع الولايات المتحدة وحلفائها استراتيجية “حرب الاستنزاف الممنهجة”، والتي تهدف إلى تحقيق غايتين:
* تفكيك المحاور: ممارسة ضغوط قصوى لدفع الدول الحليفة لواشنطن نحو الخروج من “العباءة الأمريكية” والبحث عن بدائل أمنية وطاقوية مستقلة.
* إعادة صياغة النظام الدولي: إفساح المجال للقوى المتربصة لإعادة النظر في المعاهدات التي صيغت بعد الحرب العالمية الثانية وحرب الكوريتين.
إن هذا التحول الجذري سيفضي بالضرورة إلى تقليص النفوذ الأمريكي في القارة الآسيوية، مما يمهد الطريق لنشوء تحالفات جديدة تنقل ثقل القوة من مجموعة السبع (G7) إلى مجموعة بريكس (BRICS)، ليعاد رسم الخارطة الاقتصادية والسياسية للعالم وفق أسس تعددية لا تقبل الهيمنة الأحادية.
