هذه الصورة أبلغ تعبير عن إعلام متمسك بالآداب المرعية وإعلام يرفض الحديث المسقوف. إنها تعبير أيضا عن سقوط أكبر محرّمات الإعلام الغربي: إسرائيل. السيدة بالسترة الحمراء هي زاني منتون بيدوس رئيسة تحرير أقوى مجلة ليبرالية في العالم: ذي إيكونوميست.
ذهبت لفلوريدا لتحاور الإعلامي تاكر كارلسون أحد أقطاب التمرد على الرئيس ترامب داخل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (MAGA) بسبب إسرائيل.
حوار بيدوس وكارلسون صار مرآة عاكسة للإعلام الذي يلتزم بالآداب المرعية (إذا شئنا ترجمة فكرة political correctness) والإعلام المتحرّر منها.
رغم أنه المحاوَر سيباغتها تاكر بسؤال عن غزة، لتبدأ ردها بإدانة الهجوم على إسرائيل ثم تتحدث عن “كارثة إنسانية” و”كارثة لمستقبل إسرائيل”!
هنا سيوقفها متعجبا: “كارثة لمستقبل إسرئيل؟! إنها كارثة لأسر القتلى.. الكل يحاول أن ينال رضا إسرائيل بهذه الطريقة كأنه خائف..”
في تلك اللحظة من الحوار، تشعر بالفرق بين الإعلام الذي يلّف عنق الحقائق حين يصل الأمر إلى إسرائيل والتيار المنشق الذي يسمي الأشياء بمسمياتها.
تشعر رئيسة تحرير ذي إيكونوميست بالاستفزاز (خاصة أن كارلسون يضحك في وجههاويذكّرها أن الكل سيشاهد ردها)، فتخرج السلاح الشهير (لكن لسوء حظها المتقادم) واسمه: “هل أنت مع حق إسرائيل في الوجود؟ وهل تعتبر نفسك ص هيو نيا بهذا المعنى الضيّق؟”
وهنا المسكينة تجد نفسها في ورطة أكبر وتاكر “مسموم” يهدم الغباء في السؤال، وهي تحاول أن تتهرّب وتتمتم بأي كلام.
يقول لها أولا هذا سؤال الحكومة الإسرائيلية فكأنها تردد كلامها.. ثانيا ماذا تقصدين به؟ (يبيّن العبث في السؤال، باعتبار أن إسرائيل موجودة فعليا والوجود الفعلي لا يحتاج اعتقادا من أحد فيه).
تحاول أن تجد مخرجا فتقول له: طب أقصد أن هناك نظاما عالميا بني بعد 1945 لا يسمح بالاعتداء على دول لها حدود.. هنا يقول لها أنا أتفق تماما ولذا لا أفهم لماذا لا يتحدث أحد عن احتلال إسرائيل لجنوب لبنان مرات عديدة، وعلى سيادة دول أخرى…
زاني منتون بيدوس جاءت لفلوريدا لتسأل كارلسون عن التراجع المهول في دعم إسرائيل والمشاعر السلبية تجاهها التي انتقلت من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري وهو بنظرها أحد التحولات الهامة في الساحة السياسية الأمريكية.
وهي طبعا لا تسأله من باب فضول مجرد.. وإنما لأن تاكر كارلسون أحد أكبر المتسببين في هذا التراجع بانتقاداته التي لا تنتهي للشر المطلق..ولأن له جمهورا عريضا يعتنق آراءه.
معهد رويترز لدراسة الصحافة يضع تاكر كارلسون في صدارة صناع الرأي في العالم في تقرير خصصه لصناع الأخبار.
لم تستطع ذي إيكونوميست على قوتها حشر تاكر في الزاوية. بقي متماسكا منطقيا في كلامه.
قال لها “أنا كنت جالسا مع ترامب حين أُعلن فائزا.. ” وببساطة ترامب وعد بأن يجعل مصلحة أمريكا مقدمة على ما عداها، ووعد عدة مرات بألا يدخل في هذه الحرب “وعدا أن يتم حظر يوتيوب، فسنستطيع دائما إثبات هذا”.
فكرة أن إيران تشكل خطرا على أمريكا فكرة سخيفة والحرب الحالية تعني أن أمريكا تقدّم مصالح إسرائيل على نفسها!، يقول لها كارلسون حين تسأله عن سبب انشقاقه.
زاني منتون بيدوس رئيسة تحرير ذي إيكونوميست أدانت “الكارثة الإنسانية” بغزة على تخوف، لكنها تبقى كفاءة عالية تقف على واحدة من أقوى مجلات العالم، وما تنتجه المجلة قيّم جدا وجدير بالمتابعة.
الحديث هنا فقط عن “محرّم” واحد في الكتابة والتغطية الإعلامية وهو الشر المطلق، وفيه تظهر المفارقة فاقعة ساطعة حتى في حضرة ذي إيكونوميست.. مفخرة الصناعة الإعلامية البريطانية..
عصام واعيس
