تاريخ عائلات المافيا التي تزعمت مدينة نيويورك الأمريكية:
على مدار معظم القرن العشرين، لم تكن الجريمة في مدينة نيويورك مجرد حوادث فردية متفرقة، بل كانت إمبراطورية منظمة حكمتها خمس عائلات إجرامية، عُرفت معاً باسم “العائلات الخمس”. هذه العائلات، التي تأسست رسمياً عام 1931، لم تكتفِ بالسيطرة على شوارع نيويورك؛ بل امتد نفوذها ليشمل كامل الولايات المتحدة، من صالات القمار في لاس فيغاس إلى أروقة النقابات العمالية وصفقات السياسيين الكبار. يمثل هذا المقال رحلة في تاريخ تلك العائلات، منذ ولادتها في صراعات دموية وحتى وصولها إلى ذروة قوتها، مروراً بأسرار أقوى عائلة بينها، لنختم برحلة ساحرة نكتشف فيها كيف ألهمت هذه الممالك الإجرامية الحقيقية واحدة من أعظم التحف السينمائية في التاريخ: ملحمة “العراب” (The Godfather).
… ولادة الممالك الخمس
— جذور المافيا في نيويورك
تعود جذور المافيا الأمريكية إلى موجات الهجرة الإيطالية الكبيرة من جزيرة صقلية في أواخر القرن التاسع عشر. وصل هؤلاء المهاجرون إلى شواطئ نيويورك حاملين معهم تقاليد ثقافتهم، وأيضاً أعراف “المافيا” أو “كوزا نوسترا” (وتعني “شيئنا”)، وهي جمعية سرية تقوم على نظام صارم من الولاء والصمت المقدس (Omertà) . في البداية، تشكلت عصابات صغيرة تتنافس على السيطرة، لكن التنظيم الحقيقي لم يبدأ إلا مع اندلاع حرب كاستيلاماريز الدامية (Castellammarese War) في أواخر العشرينيات بين زعيمين متنافسين هما جوزيبي ماسيريا وسلفاتوري مارانزانو .
… تأسيس العائلات الخمس
بعد اغتيال ماسيريا عام 1931، انتصر مارانزانو، فأعاد تنظيم عصابات نيويورك الإيطالية في خمس عائلات رئيسية سُميت آنذاك بأسمائهن: مارانزانو، بروفاتشي، مانغانو، لوتشيانو، وغاليانو. لكن إمبراطورية مارانزانو لم تدم طويلاً، إذ اغتيل هو نفسه في سبتمبر من العام نفسه . عندها، أتى دوره “لاكي” لوتشيانو، الذي قاد تحولاً جذرياً في بنية المافيا. ألغى لوتشيانو منصب “زعيم كل الزعماء” الذي تسبب في الكثير من الصراعات، وأسس بدلاً منه “اللجنة” (The Commission) – وهي مجلس حكم يتكون من زعماء العائلات الخمس بالإضافة إلى زعماء عائلات شيكاغو وبوفالو. كانت مهمة هذه اللجنة هي الإشراف على أنشطة المافيا في أمريكا والتوسط في النزاعات بين العائلات .
هكذا ولدت “العائلات الخمس” بالشكل الذي عرفناه، والتي عُرفت لاحقاً بالأسماء التي اشتهرت بها حتى اليوم: بونانو (Bonanno)، كولومبو (Colombo)، غامبينو (Gambino)، جينوفيزي (Genovese)، ولوكيزي (Lucchese). لم تخرج هذه الأسماء للعلن إلا في عام 1963، عندما أدلى جوزيف فالاكي، أحد أفراد المافيا الذي أصبح شاهداً للحكومة، بشهادته الشهيرة أمام الكونغرس .

العائلات الخمس – الوجوه والنفوذ
كل عائلة من العائلات الخمس كانت كإمبراطورية مستقلة بذاتها، تسيطر على مناطق محددة في نيويورك وتتخصص في أنشطة إجرامية معينة، لكنها جميعاً كانت تشترك في هدف واحد: السلطة والمال.
1. عائلة بونانو (Bonanno) – الأسرة المتمرّدة
نشأت هذه العائلة من رحم حرب كاستيلاماريز، وقد سُميت على اسم جوزيف بونانو الذي قادها لأكثر من ثلاثة عقود . اشتهرت عائلة بونانو بحجمها الكبير ونفوذها، لكنها شهدت صراعات داخلية عنيفة في ستينيات القرن الماضي عندما حاول بونانو اغتصاب منصب “زعيم كل الزعماء”، مما أدى إلى اندلاع ما عُرف بـ “حرب الموز” (The Banana War). هذه الحرب أدت في النهاية إلى إجباره على التقاعد .
2. عائلة كولومبو (Colombo) – المولود من الحرب
وهي الأصغر سناً بين العائلات الخمس، حيث تأسست عام 1928 تحت اسم عائلة “بروفاتشي” (Profaci) نسبة إلى مؤسسها جوزيف بروفاتشي، الذي كان يستعمل تجارة زيت الزيتون كغطاء . عُرفت هذه العائلة بتاريخها المضطرب والمليء بالانقسامات الداخلية، إذ مزقتها ثلاث حروب أهلية عنيفة على مدار تاريخها .
3. عائلة لوكيزي (Lucchese) – عمالقة المطار
تعود أصول هذه العائلة إلى عصابات بدأت في نشاطها في عشرينيات القرن الماضي . اشتهرت عائلة لوكيزي بعملياتها الكبرى، وأبرزها سرقة مطار لوفتهانزا (Lufthansa heist) عام 1978، حيث نهب أفرادها ما قيمته حوالي 5 ملايين دولار نقداً و800 ألف دولار مجوهرات من مطار جون إف كينيدي .
4. عائلة غامبينو (Gambino) – إمبراطورية الظل
تحت هذا الاسم، تأسست أقوى إمبراطورية مالية في تاريخ المافيا. بدأت هذه العائلة في أوائل القرن العشرين تحت قيادة فينسينت مانغانو، لكنها بلغت أوج قوتها تحت حكم كارلو غامبينو بين عامي 1957 و1976 . تميزت فترة حكم غامبينو بالازدهار والاستقرار، حيث فضل البقاء في الظل وتجنب الأضواء. لكن شهرة العائلة بلغت ذروتها في عهد جون غوتي خلال ثمانينيات القرن الماضي، الذي لقب بـ”دون الوسامة” (The Teflon Don) لنجاحه في الإفلات من العقاب عدة مرات، قبل أن يُسجن مدى الحياة في نهاية المطاف .
5. عائلة جينوفيزي (Genovese) – أقدمها وأقواها
تُعد عائلة جينوفيزي الأقدم بين العائلات الخمس، حيث تعود جذورها إلى تسعينيات القرن التاسع عشر . ولكن الهيكل الحديث للعائلة أسسه “لاكي” لوتشيانو، أحد أذكى العقول الإجرامية في التاريخ . وقد سُميت العائلة باسم فيتو جينوفيزي، الذي تولى زعامتها في خمسينيات القرن الماضي. كان فيتو جينوفيزي واحداً من أكثر زعماء المافيا وحشية وطموحاً، وتقول مصادر إنه كان مصدر إلهام لشخصية “العراب” .
،،، من يمتلك العرش؟ أقوى عائلة مافيا في نيويورك
على الرغم من القوة الهائلة لعائلة غامبينو وشهرتها، إلا أن معظم الخبراء ووكالات إنفاذ القانون، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، يتفقون على أن عائلة جينوفيزي كانت الأقوى والأكثر نفوذاً على مر التاريخ .
فما الذي جعلها تتفوق على منافسيها؟
· العمر والحكمة: بكونها الأقدم، بنت جينوفيزي شبكة علاقات وولاءات تمتد لعقود طويلة، مما منحها استقراراً داخلياً لم تعرفه العائلات الأخرى.
· النهج الذكي: بدلاً من الاعتماد على العنف الصارخ الذي جلب الأضواء والملاحقات لعائلة غامبينو، فضلت عائلة جينوفيزي العمل في صمت، والتسلل إلى النقابات العمالية، واقتصاصات البناء، وغسيل الأموال. هذا الأسلوب جعلها أقل عرضة للملاحقة القضائية وأكثر قدرة على جمع الثروات.
· النفوذ الوطني: حافظت عائلة جينوفيزي على علاقات قوية مع عائلات مافيا أخرى في مدن مثل فيلادلفيا وكليفلاند وبوفالو، مما جعل نفوذها يمتد إلى ما هو أبعد من نيويورك .
باختصار، بينما كانت عائلة غامبينو تمثل “الوجه الإعلامي” للمافيا، كانت عائلة جينوفيزي هي “العقل المدبر” الذي يحرك خيوط اللعبة من خلف الستار.
،،، من الواقع إلى الشاشة – كيف استقى فيلم “العراب” إلهامه من العائلات الحقيقية
بعد أن عرفنا تاريخ هذه العائلات، نتساءل: كيف انتقلت هذه الأساطير إلى هوليوود لتصبح فيلم “العراب”؟ الحقيقة أن الفيلم لم يكن نقلاً حرفياً لقصة عائلة بعينها، بل هو لوحة فسيفسائية، جمع فيها الكاتب ماريو بوزو بعبقرية عناصر من عدة عائلات حقيقية لصنع أسطورة “كورليوني” الخالدة .
دون فيتو كورليوني: مرآة لأكثر من عراب حقيقي
اعترف ماريو بوزو نفسه بأنه لم يقابل قط رجل عصابات حقيقي في حياته، وأن روايته جاءت بالكامل من خلال البحث . ومع ذلك، فإن شخصية “الدون” التي جسدها مارلون براندو هي مزيج من عدة زعماء حقيقيين:
· فرانك كوستيلو (Frank Costello): هو المصدر الأساسي لإلهام شخصية فيتو كورليوني. عُرف كوستيلو بلقب “رئيس وزراء المافيا” بسبب حكمته ودبلوماسيته. كان يفضل استخدام المنطق والعلاقات مع رجال الأعمال والسياسيين بدلاً من العنف، وكان يعارض بشدة تجارة المخدرات . بل إن مارلون براندو استمع إلى تسجيلات صوتية لشهادة كوستيلو ليقلد نبرة صوته الهادئة والخشنة .
· جو بروفاتشي (Joe Profaci): مثله مثل فيتو كورليوني، استخدم بروفاتشي تجارة زيت الزيتون كغطاء لأعماله غير القانونية .
· كارلو غامبينو (Carlo Gambino): مثل شخصية كورليوني، كان غامبينو رجلاً هادئاً، يعمل من تحت الطاولة ولا يحب جذب الانتباه .
،،، مشاهد خالدة مستوحاة من أحداث حقيقية
لم تقتصر الإلهامات على الشخصيات فقط، بل امتدت لتشمل بعضاً من أشهر مشاهد الفيلم:
· مشهد المطعم: مشهد اغتيال مايكل كورليوني لسولوتسو والكابتن مكلوسكي في مطعم “لويس” الإيطالي هو إعادة تخيل لواحدة من أهم اللحظات في تاريخ المافيا. في عام 1931، التقى “لاكي” لوتشيانو بزعيمه جوزيبي ماسيريا في مطعم. وما إن استأذن لوتشيانو لدخول الحمام، حتى اقتحم رجال مسلحون المطعم وأمطروا ماسيريا بوابل من الرصاص .
· رجل الحصان: مشهد وضع رأس الحصان المقطوع في سرير المخرج جاك وولتز استُوحي من قصة حقيقية عن زعيم المافيا “بوجسي سيغل” (Bugsy Siegel) الذي أرسل رسالة مماثلة لشخص كان يعيقه .
· المافيا تحارب الفيلم: في مفارقة درامية، عندما بدأ إنتاج الفيلم، هدد زعماء المافيا الحقيقيون، وعلى رأسهم جو كولومبو، بإيقاف التصوير. كانوا غاضبين من الصورة النمطية السلبية التي يرسمها هوليوود للإيطاليين الأمريكيين. وبعد مفاوضات، تم الاتفاق على إزالة كلمة “مافيا” من السيناريو مقابل السماح باستمرار التصوير . وهكذا، وكما تفعل عائلة كورليوني في الفيلم، استخدمت المافيا الحقيقية نفوذها لفرض شروطها على هوليوود نفسها!

… خاتمة
تاريخ عائلات المافيا في نيويورك ليس مجرد سجل لجرائم ومجرمين، بل هو نافذة على جانب مظلم من الحلم الأمريكي. إنه قصة مهاجرين فقراء حولوا التهميش والتمييز إلى إمبراطوريات من السلطة، مستخدمين العنف والذكاء والولاء. هذه القصص الحقيقية، بحروبها الدموية وشخصياتها الآسرة، كانت بمثابة منجم ذهب للفن، فجاء فيلم “العراب” ليقدم تأملاً فنياً عميقاً في طبيعة القوة والعائلة والخيانة. ولهذا، تظل “العائلات الخمس” حية ليس فقط في سجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي، بل أيضاً في ذاكرة السينما العالمية كأحد أعظم مصادر الإلهام في تاريخها
R-A
