انطلقت شرارة معركة الفلوجة الأولى، المعروفة باسم عملية “الحل الحذر”، بعد حادثة مقتل أربعة متعاقدين أمنيين من شركة “بلاك ووتر” في الحادي والثلاثين من مارس عام 2004، حيث تم التنكيل بجثثهم وتعليقها على الجسر الحديدي للمدينة . ورغم رغبة القادة العسكريين الميدانيين مثل الفريق كوناي واللواء ماتيس في التريث لإجراء تحضيرات استخباراتية ومنهجية لساحة المعركة، إلا أن الضغوط السياسية العليا من واشنطن أجبرتهم على شن رد عسكري فوري وعنيف في غضون 72 ساعة .
القوات المشاركة في المعركة :
شاركت في معركة الفلوجة الأولى مجموعة متنوعة من الوحدات العسكرية، بقيادة أساسية من قوة الاستكشاف الأولى لمشاة البحرية (I MEF) تحت إمرة الفريق جيمس كوناي، وفرقة المارينز الأولى بقيادة اللواء جيمس ماتيس . تولى التنفيذ الميداني للهجوم فريق الفوج القتالي الأول (RCT-1) بقيادة العقيد جون تالون، والذي ضم في بدايته وحدات المشاة الرئيسية المتمثلة في الكتيبة الأولى من الفوج الخامس مارينز بقيادة المقدم برينن يت بـرن، والكتيبة الثانية من الفوج الأول مارينز بقيادة المقدم غريغ أولسن . تعززت هذه القوات لاحقاً خلال سير القتال بـالكتيبة الثالثة من الفوج الرابع مارينز التي انضمت في السابع من أبريل، وفي نهاية الشهر وصلت الكتيبة الثانية من الفوج الثاني مارينز لتتمركز على المشارف الجنوبية .
القوات العراقية المساندة ، تضمنت الخطة مشاركة قوات الدفاع المدني المحلية والشرطة العراقية في مهام الطوق الأمني ونقاط التفتيش، بالإضافة إلى كتيبة المغاوير العراقية 36 . ورغم محاولة إشراك الكتيبة الثانية من الجيش العراقي الجديد، إلا أنها تفككت ورفضت القتال عند وصولها .
أما القوى المقابلة في المدينة، فكانت تتألف من خليط غير نظامي يضم مقاتلي شبكة الزرقاوي (تن. ظيم القا.. عدة)، ومقاتلين أجانب، وعناصر من البعثيين وضباط الجيش السابق.

مجريات المعركة :
بدأت القوات الأمريكية في الثاني من أبريل بفرض حصار حول المدينة عبر نصب نقاط تفتيش لمنع خروج الرجال في سن القتال، مع السماح للعوائل بالمغادرة فقط، وفي اليوم التالي صدرت الأوامر لفرقة المارينز الأولى بتنفيذ الهجوم . اعتمدت الخطة العسكرية على تطويق المدينة بالكامل بواسطة فريق الفوج القتالي الأول بقيادة العقيد جون تالون، مع تنفيذ إغارات وعمليات للقبض على قتلة المتعاقدين وطرد المقاتلين الأجانب.
بدأت عمليات الاقتحام الفعلي في الخامس من أبريل، حيث دخلت كتيبتان من المارينز المدينة من جهتين مختلفتين لتضييق الخناق على المسلحين ؛ فهاجمت الكتيبة الثانية ناحية حي الجولان في الشمال الغربي، بينما تقدمت الكتيبة الأولى نحو المنطقة الصناعية في الجنوب الغربي .
دعمت هذه العمليات ترسانة ثقيلة شملت طائرات F-16C/D ومروحيات AH-1 Cobra وطائرات الإسناد و الدعم الأرضي “AC-130″، بالإضافة إلى دبابات M1A1 Abrams ومدفعية هاوتزر .
واجه المارينز مقاومة شرسة وغير متوقعة، حيث استخدم المسلحين تكتيكات حرب العصابات عبر مجموعات صغيرة تتراوح بين خمسة إلى عشرة أفراد، معتمدين على قذائف “RPG” والأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، ومستغلين معرفتهم بالأزقة والمباني المتلاصقة . وفي السابع من أبريل، تعزز الهجوم بانضمام الكتيبة الثالثة من الفوج الرابع التي اقتحمت الناحية الشمالية الشرقية للمدينة، ليتصاعد القتال تدريجياً وتواجه قوافل الإمداد الأمريكية كمائن محكمة .
نهاية المعركة :
بالتوازي مع القتال الميداني، شن المسلحين حملة إعلامية مكثفة نجحت في استقطاب الرأي العام الدولي والعربي، حيث سمحوا لقناة “الجزيرة” بالبث من داخل مستشفى المدينة لنشر صور الضحايا المدنيين والدمار . أدت هذه التغطية إلى غضب شعبي واسع ومعارضة سياسية حادة، حتى هدد أعضاء مجلس الحكم العراقي بالاستقالة احتجاجاً على العمليات . ونتيجة لهذه الضغوط وتقديرات القيادة المركزية للمخاطر السياسية، صدر أمر مفاجئ بتعليق جميع العمليات الهجومية في التاسع من أبريل، بينما كان المارينز يسيطرون على أجزاء من أطراف المدينة ويعتقدون أنهم على وشك كسر المقاومة.
دخلت المعركة بعد ذلك مرحلة من المراوحة والمفاوضات المطولة بين سلطة التحالف وشيوخ العشائر ومسؤولي المدينة، تخللتها اشتباكات نارية متقطعة . انتهى المشهد بقرار سياسي يقضي بتشكيل “لواء الفلوجة” من عناصر الجيش العراقي السابق لتولي الأمن، وفي الأول من مايو 2004، انسحبت قوات المارينز من المدينة، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى في صفوفها، ومئات الضحايا من المتمردين والمدنيين.
المصدر : معهد الحرب الحديثة في الأكاديمية العسكرية الأمريكية “MWI”.
