ما مسؤولية المستأجر عن هلاك المأجور أو تضرّره بفعل الحرب في ظل قوانين الإيجارات اللبنانية القديمة والجديدة:
بقلم المحامي الياس سليم طعمه
تطرح الظروف الاستثنائية الناتجة عن الحروب والأعمال العسكرية إشكاليات قانونية دقيقة في إطار العلاقة التأجيرية، لا سيما لجهة تحديد مسؤولية المستأجر عن هلاك المأجور كلياً أو جزئياً، ومدى التزامه بالتعويض أو الترميم. وتزداد أهمية هذا الموضوع في لبنان نظراً لازدواجية النظام القانوني بين قوانين الإيجارات القديمة (الاستثنائية) التي مددت الإجارات حكماً، وقانون الإيجارات الجديد القائم على مبدأ حرية التعاقد.
أولاً: في الإطار القانوني العام لمسؤولية المستأجر
يرعى قانون الموجبات والعقود اللبناني العلاقة التأجيرية من حيث المبدأ، حيث يفرض على المستأجر:
استعمال المأجور وفق ما أُعدّ له،
المحافظة عليه،
إعادته عند انتهاء الإيجار بالحالة التي تسلّمه بها، باستثناء ما ينشأ عن الاستعمال العادي.
غير أن مسؤولية المستأجر ليست مطلقة، بل تتأثر بوجود القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، وهو عنصر أساسي في موضوعنا.
ثانياً: مفهوم القوة القاهرة وأثرها.
تعرّف القوة القاهرة بأنها كل حادث:
غير متوقع،
لا يمكن دفعه،
خارج عن إرادة المدين (المستأجر هنا).
ولا شك أن الحرب والأعمال العسكرية تعدّ من أبرز حالات القوة القاهرة في الفقه والاجتهاد اللبناني.
النتيجة الأساسية:
إذا ثبت أن الضرر أو الهلاك ناتج حصراً عن القوة القاهرة، تنتفي مسؤولية المستأجر.
ثالثاً: في ظل قوانين الإيجارات القديمة (التمديد الحكمي)
قوانين الإيجارات الاستثنائية التي مددت عقود الإيجار قسراً لمصلحة المستأجر، وإن كانت قد قيّدت حقوق المالك، إلا أنها لم تُحمّل المستأجر مسؤولية أوسع من القواعد العامة.
1. في حال الهلاك الكلي للمأجور:
ينقضي عقد الإيجار حكماً إذا أصبح المأجور غير صالح للاستعمال.
لا يُلزم المستأجر بالتعويض إذا كان الهلاك نتيجة الحرب (قوة قاهرة).
لا يترتب عليه أي موجب بإعادة البناء أو التعويض.
2. في حال الهلاك الجزئي:
يمكن للمستأجر طلب:
تخفيض بدل الإيجار، أو
فسخ العقد إذا أصبح الانتفاع غير ممكن.
لا يلزم بالترميم إلا إذا ثبت خطؤه أو إهماله.
3. موقف الاجتهاد:
استقر الاجتهاد اللبناني على إعتبار أن:
المستأجر يعفى من المسؤولية إذا أثبت أن الضرر ناتج عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كالحرب.
رابعاً: في ظل قانون الإيجارات الجديد (حرية التعاقد)
جاء القانون الجديد ليكرّس مبدأ حرية التعاقد، ما يعني أن:
شروط العقد تصبح المرجع الأول،
ويمكن للأطراف توزيع المخاطر فيما بينهم.
1. أولوية العقد:
إذا نصّ عقد الإيجار صراحة على:
تحميل المستأجر مسؤولية الأضرار مهما كان سببها، فإن هذا الشرط قد يكون نافذاً، ما لم يعتبر تعسفياً أو مخالفاً للنظام العام.
2. في غياب نص صريح:
يطبّق القانون العام، أي:
لا مسؤولية على المستأجر إذا كان الضرر ناتجاً عن الحرب.
لا يلزم بالتصليح أو التعويض.
3. حدود حرية التعاقد:
حتى في ظل الحرية التعاقدية:
لا يمكن تحميل المستأجر تبعة القوة القاهرة بشكل مطلق إذا كان الشرط مجحفاً جداً،
ويعود للقضاء تقدير مدى مشروعية هذه الشروط.
خامساً: التمييز بين حالتي الخطأ والقوة القاهرة
1. إذا كان الضرر بسبب الحرب فقط:
لا مسؤولية على المستأجر،
لا تعويض،
لا التزام بالتصليح.
2. إذا ساهم المستأجر بالضرر:
مثلاً:
تخزين مواد خطرة،
إهمال أدى إلى تفاقم الأضرار، هنا:
يسأل المستأجر بقدر مساهمته في الضرر،
وقد يلزم بالتعويض الجزئي.
سادساً: مسألة الترميم وعلى نفقة من؟
الأصل:
المالك يتحمل الترميمات الكبرى الناتجة عن القوة القاهرة.
الاستثناء:
إذا نص العقد على خلاف ذلك (في القانون الجديد)،
أو إذا ثبت خطأ المستأجر.
سابعاً: الخلاصة
يمكن تلخيص الوضع القانوني كما يلي:
الحرب تعد قوة قاهرة تعفي المستأجر من المسؤولية.
في القوانين القديمة:
لا تعويض على المستأجر،
ولا التزام بالتصليح.
في القانون الجديد:
العقد هو المرجع الأساسي،
لكن تبقى القوة القاهرة سبباً للإعفاء ما لم ينص بوضوح على خلاف ذلك.
المالك يتحمل تبعة الهلاك كونه صاحب الحق العيني بالمأجور، ما لم يوجد اتفاق مخالف مشروع.
في الختام لا بد من الإشارة الى ان التوازن بين حماية الملكية من جهة، وضمان استقرار المستأجر من جهة أخرى، يفرض تفسير النصوص بروح العدالة، خاصة في الظروف الاستثنائية كالحروب. ويظل القضاء اللبناني المرجع الحاسم في تقدير كل حالة على حدة، وفقاً لظروفها وملابساتها والعقد الرابط بين الطرفين.
