نيويورك تايمز
تصاعد دخان أسود كثيف في السماء بينما شنّت طائرات مقاتلة إسرائيلية غارات على مركز القيادة البحرية الإيراني في ميناء بندر أنزلي. وقالت إسرائيل إنها دمّرت أيضًا عدة سفن تابعة للبحرية الإيرانية، ووصفت الضربة بأنها «واحدة من الأكثر أهمية» التي نفذتها خلال عملياتها القتالية ضد إيران.
لكن الهجوم الذي وقع في مارس، والذي وثّقته لقطات نشرها الجيش الإسرائيلي، لم يحدث في الخليج العربي ذي الأهمية الاستراتيجية، بل في بحر قزوين، وهو مسطح مائي هائل يقع على بُعد مئات الأميال إلى الشمال. وقد اكتسب هذا البحر، الذي غالبًا ما يتم تجاهله، أهمية جديدة كطريق تجاري يربط بين روسيا وإيران.
وبالنسبة لحليفين منخرطين في حروب ويواجهان عقوبات غربية تفوق ما تتعرض له أي دولة أخرى، يوفر هذا الممر المائي طريقًا للتجارة العلنية والسرية على حد سواء — شحنات ساعدت إيران على الاستمرار كخصم للولايات المتحدة رغم التفوق العسكري الأمريكي الساحق.
ويقول مسؤولون أمريكيون إن روسيا تنقل مكونات الطائرات المسيّرة إلى إيران عبر بحر قزوين، مما يساعد طهران على إعادة بناء قدراتها الهجومية بعد أن خسرت نحو 60% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة خلال المعارك الأخيرة. وقد تحدث هؤلاء المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هويتهم لعرض تقييمات عسكرية خاصة.
كما توفّر روسيا سلعًا كانت تمر عادة عبر مضيق هرمز، الذي تفرض عليه البحرية الأمريكية حصارًا في إطار التجارة العالمية.
وقال مسؤولون إيرانيون إن الجهود لفتح طرق تجارية بديلة تتقدم بسرعة، حيث تعمل أربعة موانئ إيرانية على بحر قزوين على مدار الساعة لاستيراد القمح والذرة وأعلاف الحيوانات وزيت عباد الشمس وغيرها من الإمدادات. وصرّح محمد رضا مرتضوي، رئيس اتحاد الصناعات الغذائية الإيرانية، لهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية (IRIB) بأن إيران تعيد توجيه وارداتها الغذائية الأساسية عبر بحر قزوين.
كما تشير بيانات التجارة الروسية وإحصاءات الموانئ إلى زيادة سريعة في حركة الشحن عبر قزوين خلال الأشهر الأخيرة. وقال فيتالي تشيرنوف، رئيس قسم التحليلات في مجموعة «بورت نيوز» الإعلامية، إن مليوني طن من القمح الروسي كانت تُشحن سنويًا إلى إيران عبر البحر الأسود — الذي أصبح مهددًا بهجمات أوكرانية — باتت تُنقل الآن عبر بحر قزوين.
وأضاف: «في ظل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، تبدو طرق قزوين إلى إيران أكثر جاذبية بكثير».
وقدّر ألكسندر شاروف، رئيس «روس إيران إكسبو»، أن حجم الشحنات عبر قزوين قد يتضاعف هذا العام. وأضاف أن العقوبات الغربية جعلت بعض الشركات الكبرى مترددة في استخدام هذا المسار، لكن أزمة هرمز قد تساعد في تجاوز ذلك.
ويُعد بحر قزوين، الأكبر في العالم من حيث المساحة بين البحيرات، أكبر من اليابان. ومعظم التجارة التي تمر عبره غير شفافة، ويصعب تتبعها عن بُعد، لا سيما أن السفن التي تسير بين الموانئ الروسية والإيرانية تقوم عادة بإيقاف أجهزة الإرسال التي تتيح تتبعها عبر الأقمار الصناعية، وفقًا لمجموعات تتبع الملاحة. وعلى عكس الخليج العربي، لا تستطيع الولايات المتحدة اعتراض السفن في قزوين لأن الدول الخمس المطلة عليه فقط هي التي تملك حق الوصول إليه.
وقالت نيكول غرايفسكي، أستاذة متخصصة في شؤون إيران وروسيا في معهد «سيانس بو» في باريس: «إذا كنت تبحث عن المكان المثالي للالتفاف على العقوبات ونقل المعدات العسكرية، فهو بحر قزوين».
ورغم أن روسيا وإيران تعلنان صراحة عن التجارة في السلع مثل القمح، فإن مسألة تبادل الأنظمة العسكرية مختلفة تمامًا.
وتُظهر شحنات الطائرات المسيّرة مدى التقارب الدفاعي بين موسكو وطهران. ورغم أنه من غير المرجح أن تلعب المكونات الروسية دورًا حاسمًا في حرب إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تعزز ترسانة طهران من الطائرات المسيّرة. وإذا استمرت هذه الشحنات، فإنها ستساعد إيران على إعادة بناء هذه الترسانة بسرعة، بحسب المسؤولين الأمريكيين.
وكانت التجارة تسير في الاتجاهين خلال السنوات الماضية، حيث زوّدت إيران روسيا بطائرات مسيّرة لاستخدامها في أوكرانيا، بينما أرسلت روسيا مكونات إلى إيران. لكن الحاجة إلى الإمدادات الإيرانية تراجعت بعد يوليو 2023، حين بدأت روسيا — بترخيص من إيران — إنتاج نموذجها الخاص من طائرات «شاهد» في مصنع بتتارستان.
وفي أغسطس، أعلن الجيش الأوكراني أنه أغرق سفينة روسية في ميناء أوليا كانت، بحسب قوله، تنقل مكونات لطائرات «شاهد» من إيران. ووصف الميناء، الواقع في الزاوية الشمالية الغربية من بحر قزوين، بأنه مركز لنقل الإمدادات العسكرية التي تدعم المجهود الحربي الروسي. (واعترفت روسيا فقط بأن السفينة «تضررت»).
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت بالفعل عقوبات على السفينة ومالكها الروسي «إم جي فلوت» في سبتمبر 2024، متهمة إياها بنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران إلى روسيا.
وبالنسبة لروسيا وإيران، فإن الأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين ليست جديدة. فقد عملتا على مدى عقدين على تطوير خطط لإنشاء ممر تجاري يمتد من بحر البلطيق إلى المحيط الهندي بطول 7200 كيلومتر، مرورًا بغرب روسيا ثم حوض قزوين، بهدف تجنب الطرق التجارية الغربية. لكن هذه الطموحات لا تزال في معظمها حبرًا على ورق، وتشمل تحديث الأسطول البحري المتهالك وبناء مرافق موانئ جديدة وخط سكك حديدية جديد.
ويشكك خبراء في قدرة النزاعات التي تخوضها الدولتان على توفير الموارد اللازمة لتنفيذ هذه المشاريع، خاصة مع وجود تحديات مثل ضحالة بعض مناطق بحر قزوين التي تعيق الملاحة.
ويمثل بحر قزوين معادلة دقيقة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ فمع تراجع عدد حلفائه في الشرق الأوسط، يسعى لدعم إيران، لكن تقديم مساعدات عسكرية علنية قد يثير غضب الرئيس ترامب وكذلك حلفاء عرب مهمين لتجارة الطاقة الروسية.
كما يشكل قزوين تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة، جزئيًا لأنه يمثل «نقطة عمياء» دبلوماسية. وقال لوك كوفي، الباحث في معهد هدسون: «بالنسبة لصناع القرار الأمريكيين، فإن بحر قزوين أشبه بثقب أسود جيوسياسي — كأنه غير موجود».
وأشار إلى أن الدول المطلة عليه تقع ضمن نطاقات مسؤولية عسكرية أمريكية مختلفة، ما يعقّد التعامل معه.
وقد برزت أهمية بحر قزوين بشكل أوضح بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، حين استخدمت روسيا سفنًا في قزوين لإطلاق صواريخ على أهداف في أوكرانيا، كما فعلت سابقًا في سوريا.
كما لاحظ محللون زيادة في نشاط «السفن المظلمة»، وهي سفن تقوم بإيقاف أجهزة التتبع الإلزامية. واستخدمت إيران قزوين في المراحل الأولى من حرب أوكرانيا لإمداد روسيا بالذخيرة، ثم بدأت تزويدها بطائرات «شاهد» عبره.
وفي يناير 2025، وقعت روسيا وإيران معاهدة تعاون واسعة النطاق، وقال مسؤولون أوروبيون إن البلدين واصلا تبادل التكنولوجيا والتكتيكات.
وخلال الحرب، حسّنت روسيا تصميم وأداء الطائرات المسيّرة وبدأت إنتاجها محليًا، وهي تطورات يُعتقد أنها شاركتها مع إيران.
ولا يزال من غير الواضح نوع وحجم العتاد العسكري الذي نقلته روسيا إلى إيران منذ بداية الحرب.
ولا يمكن لحجم التجارة عبر قزوين أن يضاهي ما كانت إيران تنقله عبر مضيق هرمز، خاصة فيما يتعلق بصادرات النفط التي تشكل جزءًا كبيرًا من إيراداتها.
وقالت آنا بورشيفسكايا، خبيرة في سياسة روسيا بالشرق الأوسط: «لقد وجدت روسيا وإيران طرقًا للالتفاف على نظام العقوبات. وهذا بالضبط سبب قصف الإسرائيليين للميناء، لأنهم أدركوا أن هذا الطريق التجاري الصغير لكنه مهم يمكن أن يوفر دعمًا كبيرًا لإيران».
