كتب القاضي بيتر جرمانوس..
حرب إيران: اختبار الإمبراطورية الأميركية لا مجرّد مواجهة مع طهران
ليست الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرّد صراع أميركي ـ إسرائيلي مع نظام إقليمي متمرّد. إنها، في جوهرها، اختبار لقدرة اميركا على الاستمرار في فرض هيمنتها على عدة قارات في الوقت نفسه: في أوروبا أمام روسيا، وفي المحيط الهادئ أمام الصين، وفي الشرق الأوسط أمام إيران، وفي البحار أمام كل من يعتقد أن زمن النظام البحري الأميركي قد بدأ يتآكل.
التسريبات الجديدة عن مذكرة تفاهم لمدة ستين يوماً بين واشنطن وطهران لا تعني أن الحرب انتهت، بل تعني أن الحرب دخلت مرحلتها الأكثر تعقيداً: مرحلة تحويل النار إلى شروط، والضربات إلى مذكرات، والقوة العسكرية إلى اختبار سياسي واقتصادي. فمبدأ ترامب، كما يظهر من مضمون التسريبات، هو: «التخفيف مقابل الأداء». أي أن إيران لن تحصل على المال، ولا على النفط، ولا على رفع العقوبات، إلا بقدر ما تنفّذ على الأرض: فتح مضيق هرمز، إزالة الألغام، وقف تعطيل الملاحة، والدخول في تفاوض حول التخصيب والمخزون النووي.
هنا تكمن أهمية المشهد. إيران لا تخوض حرباً تقليدية ضد أميركا. إنها تخوض حرباً غير نمطية مبنية على الوقت، والاستنزاف، والاختناق البحري، ورفع كلفة الإمبراطورية. طهران تعرف أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في الجو أو في البحر. لكنها تراهن على أن واشنطن لا تريد حرباً برية طويلة، ولا احتلالاً، ولا نزيفاً مفتوحاً في جبال إيران ومدنها ومضائقها. لذلك، يحاول النظام الإيراني أن يحوّل ضعفه العسكري التقليدي إلى قوة سياسية: أن يصمد، أن يعطّل، أن يربك الأسواق، وأن يجعل كل يوم حرب مكلفاً للنظام العالمي.
فالمسألة لم تعد محصورة بالبرنامج النووي. إيران حاولت ضرب أحد أعمدة النظام الدولي نفسه: حرية الملاحة البحرية، أمن المضائق، تدفق الطاقة، واستقرار أسعار النفط. عندما يُهدَّد مضيق هرمز، لا تكون المشكلة إيرانية ـ أميركية فقط؛ تصبح المشكلة يابانية، صينية، هندية، أوروبية، خليجية، وأميركية في آن واحد. إن هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان من شرايين العولمة. ومن يزرع الألغام فيه لا يستفز واشنطن وحدها، بل يستفز النظام العالمي الذي تقوده واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد أظهرت الولايات المتحدة قدرة جوية وبحرية هائلة. أثبتت أنها لا تزال قادرة على الضرب من بعيد، وعلى حصار الموانئ، وعلى تحريك الأساطيل، وعلى إدارة حرب دقيقة في فضاء بحري شديد الحساسية. لكن المشكلة أن ما يتحقق في الجو والبحر لا يترجم دائماً على اليابسة. يمكن تدمير رادار، إغراق زورق، شلّ ميناء، أو ضرب منشأة، لكن إسقاط قرار سياسي داخل نظام عقائدي وأمني مغلق يحتاج إلى شيء آخر. يحتاج إما إلى غزو بري، وإما إلى انهيار داخلي، وإما إلى تسوية تفرض شروط المنتصر من دون إعلان الانتصار.
وهنا تراهن إيران. النظام مستعد لتحمّل خسائر كبيرة، لأنه يعتقد أن أميركا لا تريد دفع ثمن السيطرة البرية. يراهن على ضيق صدر الولايات المتحدة تجاه الحروب الطويلة، وعلى ذاكرة العراق وأفغانستان، وعلى الانقسام الداخلي الأميركي، وعلى خوف الأسواق من الصدمة النفطية. إنها عقيدة مزيج بين فيتنام والخمينية: حرب نفس طويل، لا تهدف إلى الانتصار العسكري بقدر ما تهدف إلى منع الخصم من إعلان النصر.
غير أن هذه المقاربة تحمل خطراً كبيراً على إيران نفسها. فكلما حاولت طهران اختبار صبر واشنطن، انتقلت الحرب من كونها نزاعاً قابلاً للتفاهم إلى كونها تحدياً لهيبة الإمبراطورية. أميركا قد تتفاوض مع نظام يساوم، لكنها تميل إلى سحق أو إخضاع نظام يهدد قواعد اللعبة الدولية. حين تصبح حرية البحار، وأسعار النفط، ومصداقية الردع الأميركي، وهيبة الأسطول الخامس، كلها على الطاولة، لا تعود المسألة نووية فقط. تصبح مسألة مَن يحكم قواعد القرن الحادي والعشرين.
أما إسرائيل، فقد أظهرت في هذه الحرب شجاعة قتالية وقدرة استخبارية ورغبة واضحة في الذهاب بعيداً. لكنها تبقى، في نهاية المطاف، دولة بلا عمق جغرافي ولا عمق ديموغرافي كافٍ لخوض حروب استنزاف مفتوحة إلى ما لا نهاية. تستطيع إسرائيل أن تضرب بقوة، وأن تبادر، وأن تقلب ميزان الردع، لكنها لا تستطيع وحدها هندسة استقرار إقليمي واسع. قوتها تكمن في الضربة، لا في إدارة الجغرافيا الكبرى. لذلك تبقى الولايات المتحدة هي صاحبة القرار النهائي في تحويل الحرب إلى نظام سياسي جديد.
في المقابل، تظهر تركيا كحجر أساس في أي هندسة مستقبلية للاستقرار في الشرق الأوسط الكبير. فالإمبراطورية لا يكفي أن تدمّر، ولا يكفي أن تربح الحروب. عليها أن تقيم السلام. هذا ما فعلته روما حين حوّلت القوة إلى طرق وقانون وإدارة. وهذا ما فعلته الدولة العثمانية، على طريقتها، حين أدارت قروناً من التوازنات بين شعوب وطوائف وممرات وأسواق. أما الولايات المتحدة،
