صدر قبل حوالي السنتين كتاب مهم عن قطر اسمه “من الذهب الأسود إلى الغاز المجمد: كيف أصبحت قطر قوة عظمى في مجال الطاقة” من تأليف مايكل تزياني الرئيس التنفيذي ثم الشرفي لشركة بوتن آند بارتنرز، اللي كانت إحدى أهم شركات استشارات الطاقة، وتحديدا الغاز الطبيعي، بجانب الصحفية آن ماري جونسون، وهي صحفية متخصصة أيضا في مجال الطاقة.
الكتاب يقدم تأريخ لاستكشاف واستخراج الغاز الطبيعي في قطر، أو تطور صناعة الغاز المسال، ولكن بيقدم أطروحة مهمة هي اللي استوقفتني في الحقيقة، وهي إن تطور قطاع الطاقة في الخليج مكنش مجرد تطور تقني لاستكشاف الموارد الطبيعية، وإنما هو عملية من المساومة والتخطيط والرهان والمخاطرة اللي قامت بها حكومات الدول الخليجية علشان تطور القطاع ده وتحقق أكبر مكاسب ممكنة منه.
بصرف النظر عن مدى الاتفاق مع الأطروحة، إلا أنها بالنسبة لي تحديدا كانت مهمة، لأنها بتوضح إن فهم دول هذه المنطقة وأبعاد سياساتها وموقعها الإقليمي والدولي يتطلب بالضرورة وضع العملية الإدارية دي في الاعتبار، وعدم غض الطرف عنها أو التعالي عليها.
في حالة قطر تحديدا، الكتاب يوصف كيف تطور قطاع الغاز الطبيعي في قطر وكان قصة من التحديات والإحباطات وليس من النجاحات المتتابعة. الكتاب يبدأ برسم مولد قطر الحديثة من خلال محاولة آل ثاني مقاومة الضغوط الاستحواذية من قبل آل خليفة في البحرين وآل سعود بعد تمددهم إلى الإحساء، ونجاحهم في الحصول على حماية بريطانية سنة 1868، وهذه كانت ثاني اتفاقية تقريبا من نوعها بعد البحرين، وبتشرح إلى حد ما لماذا المنطقة بحكم تشكلها الجيوسياسي مرتبطة بالضرورة بالعلاقة مع القوى العظمى، لأن غياب القوى سيشكل تهديد مباشر للنظام الإقليمي المهدد بالتنافس بين المكونات المحلية.
لاحقا يشرح الكتاب مثلا إن مسألة الاستكشاف في البحر كانت مسألة محبطة وتطلبت جهد كبير، ففي البداية، الشيخ عبد الله آل ثاني أعطى الامتياز الاستكشافي في البحر لشركة سوبيريور أويل، ووقتها شركة النفط العراقية البريطانية صاحبة الامتياز البري احتجت لأنها افترضت امتداد امتيازها للبحر، وتطلب الأمر تحكيم انتهى لصالح قطر وسوبيريور أويل.
لكن سوبيريور أويل نفسها انسحبت لاحقا بسبب ضعف التوقعات عن الاحتياطيات النفطية البحرية، فحلت محلها شركة شل، وبدأت الاستكشافات، لكن الغاز في هذا الوقت كان بيتم التعامل معاه كفضلات إنتاجية بلا قيمة.
الشيخ خليفة، اللي كان الحاكم الفعلي لقطر، ثم تحول إلى الحاكم الرسمي سنة 1972، ضغط على شل للاستفادة من الغاز، و أدى ذلك لبناء أول محطة لمنتجات الغاز سنة 1971، لكن المحطة هذه نفسها وقعت فيها واقعة مأساوية سنة 1977، وأدت لخلاف كبير بين قطر وشل.
من المهم الالتفات إلى دور الحركة العمالية في صناعة النفط الخليجية من الخمسينات وإلى السبعينات، لأن الدور هذا استخدمته الحكومات الخليجية في المساومة مع الشركات النفطية للحصول على حصص أعلى من مبيعات النفط، وصولا إلى التأميمات التي اكتملت في السبعينات، وفي حالة قطر تحديدا سنة 1977.
قطر ولوقت طويل من الثمانينات كانت تبحث عن أسواق للغاز الطبيعي، وكان في طريقه للصعود كوقود أحفوري أساسي بجانب المشتقات النفطية، وفي الحقيقة لولا مزيج من التطورات السياسية اللي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط مثل الحصار الخليجي في 1973، والثورة الإيرانية في 1979، وكذلك التطورات الصناعية التي أدت لتفضيل الغاز الطبيعي، وأخيرا التطورات السياسية والثقافية اللي أحدثها صعود الحركة البيئية والخضراء، يمكن صناعة الغاز القطرية كانت ستكون أقل قيمة وربحية بكتير، وكنا سنرى موقع مختلف جدا لقطر في الخريطة الإقليمية عن موقعها الحالي.
الكتاب عموما ممتع جدا
