كتب عماد رزق
في تحليل للبيان الصادر عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل بعد الاجتماع الرابع في واشنطن يمكننا استنتاج التالي:
أولاً في الشكل: طبيعة الوثيقة
الوثيقة ليست اتفاقاً ملزماً قانوناً، بل “بيان” مشترك يعكس نتائج مفاوضات برعاية أمريكية. صياغته دبلوماسية، لكنها تحمل التزامات سياسية واضحة، خصوصاً للجانب اللبناني.
ثانياً: الافكار الرئيسية التي تشكل مضمون البيان
1. وقف إطلاق النار المشروط
· الشرط الأساسي وقف تام لإطلاق النار من حزب الله + إجلاء عناصره من جنوب الليطاني.
· هذه الصياغة تضع عبء التنفيذ على حزب الله وحده، دون مقابل أمني أو سياسي واضح لإسرائيل في النص. أي أن وقف النار معلق بفعل لبناني أحادي الجانب.
2. “المناطق التجريبية” – آلية التدرج
· إنشاء مناطق يسيطر فيها الجيش اللبناني حصراً، مع استبعاد “جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية”.
· هذه آلية تدريجية تهدف إلى اختبار قدرة الجيش اللبناني على بسط السيطرة، ثم توسيعها. لكن النص لا يحدد عدد هذه المناطق أو موقعها أو آلية تنفيذها.
3. تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية – الهدف الاستراتيجي
· النص يتحدث عن “تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية” كجزء من الإطار الأمني.
· هذا الهدف يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى تغيير دائم في الواقع العسكري للبنان (أي حل سلاح حزب الله). وهي نقطة كانت إسرائيل تصر عليها دائماً، ووافق عليها لبنان كتابةً لأول مرة بهذا الوضوح في بيان ثلاثي.
4. إيران – الإدانة الواضحة
· إيران تُدان بشكل مباشر بهجماتها ودعمها للوكلاء وأعمال العدوان.
· توقيع لبنان على هذا البند يعني موقفاً رسمياً معادياً لنفوذ إيران، مما يضع الحكومة اللبنانية في موقف حساس داخلياً، لكنه يعكس الضغط الأمريكي والإسرائيلي.
5. الدور الأمريكي – ليس مجرد وسيط
· الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً، بل هي “قائدة” للمفاوضات (النص يقول: “المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة”).
· ترفض أي مسار منفصل (أي بين إسرائيل وحزب الله مباشرة).
· تتعهد بدعم الجيش اللبناني لتعزيز قدراته – وهذا الدعم هو ورقة ضغط أمريكية على لبنان لتنفيذ الالتزامات.
6. اختلاف الأولويات في تأكيدات الأطراف
· إسرائيل: تركز على نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته في كل لبنان (ليس فقط جنوب الليطاني).
· لبنان: يركز على احترام الحدود الدولية وسيادة الدولة وسلامة الأراضي – رسالة غير مباشرة لإسرائيل بعدم خرق السيادة أو التوغل براً أو جوّاً.
· أمريكا: تؤكد أن حزب الله “عدو للبنان” – محاولة لعزل حزب الله داخلياً وكسب تعاطف لبناني ضدّه.
7. الجدول الزمني
· اجتماع جديد في الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو للوصول إلى “اتفاق شامل”.
· هذا يعني أن الوثيقة الحالية هي مجرد إعلان مبادئ ونوايا، وليس اتفاقاً نهائياً.
ثالثاً: نقاط الضعف والغموض في النص
من ينفذ إخلاء حزب الله؟ النص يتحدث عن “إخلاء” دون تحديد آلية أو جهة مسؤولة – هل الجيش اللبناني؟ قوة دولية؟ حزب الله طواعية؟
لا عقوبات على عدم الامتثال البيان لا يذكر أي عواقب إذا لم يلتزم أي طرف بشروطه.
غياب أي دور لحزب الله حزب الله هو الطرف العسكري الفعلي على الأرض، لكنه ليس طرفاً في النص. هذا يجعل الاتفاق قابلاً للتعطيل من خارج الطاولة.
“المناطق التجريبية” غير محددة لا خريطة، لا توقيت، لا آلية للانتقال. قد تكون نقطة خلاف لاحقة.
الخلاصة العامة
هذا البيان يمثل انتصاراً دبلوماسياً للرؤية الأمريكية – الإسرائيلية لإعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، حيث يُطلب من لبنان (عبر جيشه) أن يحل مكان حزب الله، مع وعد بدعم أمريكي. لكنه في جوهره إطار تفاوضي هش، لأنه:
· يفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة.
· يرهن وقف إطلاق النار بشروط أحادية يتحكم فيها حزب الله (الذي ليس طرفاً).
· قد يواجه عقبات داخلية لبنانية كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بـ “تفكيك الجماعات المسلحة” وإدانة إيران.
إذا نجحت الاجتماعات اللاحقة (خاصة 22 يونيو) في ترجمة هذه البنود إلى اتفاق عملي مع آليات زمنية وميدانية، فقد يكون خطوة حقيقية نحو تغيير الواقع. أما إذا بقيت على هذا المستوى من العمومية، فستبقى مجرد بيان نوايا غير قابل للتنفيذ
ملحق:
إليكم النص مترجماً إلى العربية:
أصدرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية لبنان، ودولة إسرائيل البيان التالي.
يبدأ النص:
عقدت الولايات المتحدة الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى الرابع بين ممثلي إسرائيل ولبنان في يومي 2 و3 يونيو 2026.
ونتيجة للمفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة، اتفقت إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف إطلاق النار. ويتوقف وقف إطلاق النار على الوقف التام لإطلاق النار من قبل حزب الله، وإجلاء جميع عناصر حزب الله من قطاع جنوب الليطاني.
وافق الطرفان، بتوجيه من الولايات المتحدة، على المضي قدماً بسرعة في إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، باستبعاد جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية.
ستمكّن هذه الخطوات من إحراز تقدم نحو اتفاق سلام وأمن شامل.
أكدت جميع الدول أن مستقبل العلاقة بين إسرائيل ولبنان يجب أن تقرره الحكومتان السياديتان. ورفضت أي محاولة، من أي دولة أو جهة فاعلة غير حكومية، لرهن مستقبل لبنان.
أكدت إسرائيل ولبنان مجدداً أنه لا توجد نوايا عدائية بينهما، والتزمتا بمواصلة المفاوضات المباشرة لبناء الثقة، وحل جميع القضايا العالقة، والعمل من أجل التوصل إلى اتفاق شامل بين البلدين.
ناقش الوفدان إطاراً أمنياً، بناءً على المناقشات التي جرت في البنتاغون يوم 29 مايو، يهدف إلى ضمان سيادة وأمن وسلامة أراضي لبنان وإسرائيل بشكل مستدام. ويشمل ذلك تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع عودة ظهورها.
أدانت جميع الأطراف هجمات إيران على دول في المنطقة، وأنشطتها المستمرة التي تقوض الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سواء من خلال دعم الوكلاء أو جميع أعمال العدوان الأخرى.
كررت الولايات المتحدة دعمها المستمر للحكومتين في ممارسة سيادتهما. وأكدت مجدداً أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين، بوساطة من الولايات المتحدة، وليس من خلال أي مسار منفصل. وشددت الولايات المتحدة على عزمها دعم القوات المسلحة اللبنانية، بهدف تحسين قدراتها وتمكينها من ممارسة السيادة بشكل فعال في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية. وأكدت على بيان الوزير روبيو الصادر في 2 يونيو، بأن حزب الله ليس فقط عدواً لإسرائيل وعدواً لأمريكا، بل هو عدو للبنان.
أكدت إسرائيل مجدداً أن أمنها واحترام سلامتها الإقليمية لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان. وشددت على أهمية المفاوضات المباشرة بقيادة الولايات المتحدة لحل جميع القضايا العالقة وتحقيق سلام وأمن دائمين.
أكد لبنان مجدداً ضرورة الاحترام المتبادل للحدود المعترف بها دولياً، والحاجة الملحة للتنفيذ الكامل لوقف الأعمال العدائية، مع التأكيد على مبادئ السلامة الإقليمية والسيادة الكاملة للدولة. والتزم لبنان بتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، بدعم أمريكي، لبسط سيطرة فعالة في جميع أنحاء البلاد.
اتفق الطرفان على عقد المسارين السياسي والأمني مرة أخرى في الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل. ووافقت الولايات المتحدة على مواصلة تسهيل الاتصالات بين الطرفين في الفترة الفاصلة.
انتهى النص.
