هل تنهي “شرايين الشام البرية” أسطورة مضيق هرمز؟
لا يمر تصعيد عسكري أو مناوشة سياسية في منطقة الشرق الأوسط دون أن تتجه أنظار العواصم الغربية ومراكز القرار الاقتصادي نحو نقطة مائية لا يتجاوز عرض مسار الملاحة فيها بضعة كيلومترات: مضيق هرمز. هذا الشريان الذي يتدفق عبره نحو خُمس النفط العالمي يومياً، ظل لعقود بمثابة “حبل الوريد” للاقتصاد الدولي، ولكنه في الوقت ذاته يمثل أكبر نقطة اختناق استراتيجية في العالم.
ومع تزايد حدة التوترات الجيوسياسية وسعي القارة الأوروبية الحثيث لتأمين مصادر طاقة مستدامة وبعيدة عن المفاجآت، عاد إلى الطاولات المغلقة ملف “ممرات الطاقة البرية”. إنها فكرة قلب المعادلات الجغرافية: نقل النفط والغاز من حقول الخليج والعراق، مرواً بالبادية الشامية (سوريا)، وصولاً إلى شواطئ المتوسط وتركيا، ومنها إلى قلب أوروبا.
فهل تنجح هذه الشرايين البرية الثلاثة في كسر الطوق البحري لمضيق هرمز؟
1. خط “التابلاين” المطوّر: بعث الشريان التاريخي من الرماد
في خمسينيات القرن الماضي، كان خط “التابلاين” (Trans-Arabian Pipeline) ينقل النفط السعودي إلى مصبّ صيدا اللبناني قبل أن تقتله الخلافات السياسية في الثمانينيات. اليوم، يعود هذا المفهوم برؤية استراتيجية أوسع وأكثر مرونة.
* الهندسة الجغرافية: لا يتوقف المقترح الحديث عند حدود السعودية؛ بل يهدف إلى دمج حقول النفط الخليجية مع حقول جنوب العراق في شبكة موحدة، تتجه غرباً لتقطع البادية السورية، وتنتهي في الموانئ السورية الحيوية (بانياس أو طرطوس) أو تتفرع شمالاً نحو تركيا.
* الضربة الاستراتيجية: أهمية هذا الخط تكمن في ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو يتجاوز مضيق هرمز شرقاً، ويتفادي قناة السويس غرباً، مختصراً زمن شحن النفط إلى أوروبا بنحو 40%، وهو ما يترجم فوراً إلى خفض هائل في تكاليف التأمين والنقل البحري.
2. معركة الغاز الصامتة: حلم الأنبوب القطري السوري التركي
في عام 2009، طُرح خلف الكواليس أحد أكثر مشاريع الطاقة طموحاً وإثارة للجدل: خط الغاز المقترح لربط “حقل الشمال” القطري — أضخم حقل غاز طبيعي حر في العالم — بالأسواق الأوروبية مباشرة.
* المسار البديل: صُمم الخط ليمر عبر الأراضي السعودية ثم الأردن وسوريا، لينتهي في تركيا التي تمثل “البوابة البرية” للشبكة الأوروبية (عبر خطوط مثل تاناب).
* إعادة تشكيل الخارطة: لو قُدّر لهذا الخط أن يرى النور، لكان البديل البري الأقوى والأرخص للغاز المسال المنقول بحراً، ولتحولت دول العبور (الأردن وسوريا وتركيا) إلى مراكز طاقة عالمية (Energy Hubs) تجني مليارات الدولارات من عوائد المرور وتتمتع بأمن طاقي استثنائي.
3. خط كركوك – بانياس: البوابة العراقية الجاهزة
إذا كانت المشاريع السابقة تتطلب تخطيطاً من الصفر، فإن خط “كركوك – بانياس” يمتلك ميزة تفضيلية؛ فهو خط أنابيب نفطي موجود بالفعل على أرض الواقع منذ خمسينيات القرن العشرين.
* الربط الإقليمي: يربط الخط حقول كركوك الغنية في شمال العراق بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط.
ورغم توقفه الطويل، إلا أن الدراسات الحديثة لا تنظر إليه كمشروع محلي عراقي-سوري فحسب، بل تطرح أفكاراً لربطه شبكياً مع أنابيب الخليج العربي.
* المخرج السريع: بالنسبة لبغداد، يمثل هذا الخط الممر الأقصر والأكثر أماناً لنفط وسط وشمال البلاد نحو الأسواق الأوروبية، بعيداً عن تعقيدات موانئ البصرة الجنوبية المطلة على الخليج.
جدار الجيوسياسية: لماذا لم تتدفق الطاقة برّاً حتى الآن؟
رغم الأرقام الاقتصادية المغرية والجدوى الاستراتيجية الفائقة، إلا أن تحويل البادية الشامية إلى طريق سريع لأنابيب الطاقة يصطدم بثلاثة جدران جيوسياسية سميكة:
أولاً، يبرز الهاجس الأمني؛ فبناء أنابيب تمتد لآلاف الكيلومترات في مناطق شهدت تقلبات أمنية ونشاطاً للجماعات المتطرفة في العراق وسوريا يتطلب منظومات حماية فائقة الكلفة وصعبة الاستدامة.
ثانياً، هناك صراع المصالح الدولية؛ إذ إن خطوطاً كهذه تؤثر بشكل مباشر على حصص دول كبرى أخرى مصدّرة للطاقة إلى أوروبا، مما يجعل الملف خاضعاً للتجاذبات في مجالس الكبار.
أخيراً، هناك العامل السيادي الإقليمي؛ حيث باتت القوى الخليجية الكبرى تفضل استثمار ميزانياتها الضخمة في مشاريع تقع بالكامل داخل حدودها الوطنية لضمان التحكم المطلق، مثل خط “بترولاين” السعودي المتجه إلى ينبع على البحر الأحمر، أو خط “حبشان” الإماراتي المتجه إلى ميناء الفجيرة على بحر عُمان.
الخلاصة: هل يصنع الاقتصاد ما عجزت عنه السياسة؟
إن بناء “ممر الطاقة البري العربي” نحو القارة العجوز ليس معضلة هندسية أو أزمة تمويل؛ فالسيولة متوفرة والتكنولوجيا قادرة على تذليل مصاعب الجغرافيا.
المعضلة الحقيقية هي السياسة.
توصي الأوراق البحثية وصناع القرار بضرورة البدء بخطوات واقعية وتدريجية، مثل إعادة تأهيل الخطوط القائمة جزئياً (كركوك-بانياس) كاختبار أولي لبناء الثقة، بالتوازي مع صياغة معاهدات قانونية دولية برعاية الأمم المتحدة تحمي هذه الأنابيب وتحيّدها عن الخلافات السياسية.
في النهاية، قد تفرض لغة الأرقام وحاجة العالم الملحة للأمن الطاقي نفسها؛ لتتحول هذه الخطوط البرية من مجرد مشاريع مؤجلة على الورق، إلى شرايين حقيقية تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وتنهي — إلى الأبد — قدرة أي طرف على تهديد الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز.
