تستضيف قبرص، للمرة الأولى في تاريخها، مجمل قيادة الاتحاد الأوروبي. وخلال القمة التي تمتد يومين في 23 و24 أبريل/نيسان 2026، سيعمل القادة على صياغة خريطة طريق للتعامل مع الأزمة الناجمة عن الحرب في إيران وتعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي، إلى جانب إجراء محادثات رفيعة المستوى مع الجوار العربي بشأن الشرق الأوسط الأوسع.
ويمثل المجلس الأوروبي غير الرسمي ذروة الرئاسة القبرصية للاتحاد الأوروبي. ويسعى قادة “الـ27” إلى توفير توجيه سياسي بشأن قضايا مفصلية، وتهيئة الأرضية للمجلس الأوروبي الرسمي المقرر في يونيو/حزيران. ويصل إلى الجزيرة جميع رؤساء مؤسسات الاتحاد الأوروبي و26 زعيماً وطنياً، باستثناء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، لوضع أسس “أوروبا أقوى” على الساحة الدولية.
ووصفت نائبة وزير الشؤون الأوروبية، ماريلينا راوونا، الحدث بأنه محطة بالغة الأهمية، مشيرةً إلى أن توقيته وجدول أعماله يكتسبان وزناً خاصاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحادة.
“عشاء العمل” في أيا نابا
تنطلق القمة بعد ظهر الخميس 23 أبريل/نيسان في “أيا نابا مارينا”، حيث يتركز جدول الأعمال على التحولات التي فرضتها الحربان المتزامنتان في أوكرانيا وإيران.
وسيستقبل الرئيس نيكوس خريستودوليديس القادة عند الساعة السادسة مساءً. ويُعد فيكتور أوربان الزعيم الوحيد الغائب، مبرراً ذلك بانتقال السلطة إلى رئيس وزراء مجري جديد. ويبدأ عشاء العمل بإحاطة عبر الفيديو من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن تطورات الحرب مع روسيا.
بعد ذلك، ستنتقل المناقشات إلى الحرب في إيران وتداعياتها على الطاقة والاقتصاد. وتعتزم قبرص إثارة مسألة المساعدة المتبادلة بين الدول الأعضاء على وجه الخصوص، وبحث كيفية تفعيل المادة 42(7) من معاهدة لشبونة في حال وجود تهديد.
دعوة أنطونيو كوستا والمادة 42.7
وفي دعوته إلى القادة، شدد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على محورين رئيسيين: التعامل مع البيئة الجيوسياسية الصعبة، وتقديم توجيهات سياسية بشأن الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034، بما يضمن التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية العام.
وأشار كوستا إلى ضرورة أن تسهم أوروبا في خفض التصعيد الإقليمي وضمان حرية الملاحة. كما لفت تحديداً إلى أثر ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري على المواطنين والشركات، موضحاً أن الاستعداد لمواجهة التهديدات الأمنية قد يشمل أيضاً جوانب مرتبطة ببند المساعدة المتبادلة المنصوص عليه في المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.
“صندوق أدوات” أورسولا فون دير لاين للطاقة
ومن المتوقع أن تعرض رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “صندوق أدوات” للتدخل في سوق الطاقة خلال عشاء “أيا نابا”. فالتحاد الأوروبي، العالق بين نزاعين كبيرين، يواجه أزمة طاقة حادة.
وبعد اجتماع طارئ لمفوضي الاتحاد، تحدثت فون دير لاين عن تسريع الجدول الزمني لحزم إصلاح سوق الطاقة الهيكلية إلى صيف 2026. وكشفت أنه خلال 44 يوماً فقط، ارتفعت كلفة واردات الوقود الأحفوري بأكثر من 22 مليار يورو، من دون أن تُضاف أي طاقة جديدة إلى المنظومة. وتعتزم المفوضية إصدار بلاغ يتضمن إجراءات فورية قبل أيام قليلة من انعقاد القمة غير الرسمية.
جلسات نيقوسيا والشركاء العرب
أما النصف الثاني من القمة فسيُعقد في نيقوسيا يوم الجمعة 24 أبريل/نيسان، ويتألف من جلستين منفصلتين. وستخصص الجلسة الأولى لنقاش دول الاتحاد الـ27 حول الإطار المالي متعدد السنوات، فيما ستضم الجلسة الثانية قادة إقليميين مدعوين.
وبالنسبة إلى الرئاسة القبرصية، يُعد ملف الإطار المالي متعدد السنوات الأكثر أهمية. وتسعى نيقوسيا إلى تقديم إطار تفاوضي ناضج يتضمن أرقاماً تأشيرية بحلول نهاية ولايتها التي تمتد ستة أشهر. ويُنظر إلى هذا العمل التقني على أنه خطوة تمهيدية حيوية تسبق المفاوضات السياسية النهائية.
قبرص “جسر” بين أوروبا والشرق الأوسط
ودعت قبرص أربعة قادة إقليميين ورئيس منظمة إقليمية واحدة إلى جلسة الجمعة، وهم:
رؤساء مصر ولبنان وسوريا،
والملك عبد الله الثاني، ملك الأردن،
والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي.
وأكدت راوونا أن هذا الاجتماع الموسع يحمل ثقلاً سياسياً كبيراً، لأنه يخلق قناة مباشرة للتبادل بين الاتحاد الأوروبي وشركائه الإقليميين.
وكان وزير الخارجية القبرصي كونستانتينوس كومبوس من أبرز الداعين إلى الربط بين أمن الخليج وأمن أوروبا، وهو موقف ردده أخيراً أيضاً وزير الدولة القطري محمد الخليفي. وبعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أشار كومبوس إلى أن “نافذة فرصة” انفتحت أمام المنطقة، بما في ذلك لبنان.
كما برز الاعتراف الدولي بدور قبرص خلال زيارة وزير الخارجية البرتغالي باولو رانجيل، الذي أشاد بـ”الأداء اللافت” للرئاسة القبرصية خلال فترة صعبة، واصفاً قبرص بأنها “جسر” حيوي إلى بقية العالم.
