نهال طوسي ـ موقع بوليتيكو
تُهدد الحرب مع إيران علاقات الأمن العالمي للولايات المتحدة وتُلحق الضرر بسمعتها، لاسيما بين المسلمين في العالم، وفقًا لمجموعة من برقيات وزارة الخارجية الأميركية التي حصل عليها موقع بوليتيكو. لقد وصفت البرقيات، المؤرخة يوم الأربعاء، تداعيات الحرب على مكانة أميركا في ثلاث دول تقع في مناطق مختلفة من العالم: البحرين وأذربيجان وإندونيسيا.
وقدّم دبلوماسيون أميركيون في سفاراتهم في عواصم هذه الدول صورة قاتمة لأميركا، وتتعرض لهجوم إعلامي واسع النطاق من قبل جهات موالية لإيران تتمتع بقدرة فائقة على التلاعب الرقمي.
وفي أذربيجان، وصلت العلاقات التي كانت تشهد تحسناً ملحوظاً إلى طريق مسدود، بل ويبدو أنها تتجه نحو الانهيار. وتواجه حكومة البحرين تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تخلت عنها لتواجه وحدها الطائرات والصواريخ الإيرانية. وقد يواجه زعيم إندونيسيا دعوات متزايدة لتقليص العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة.
ويصف بعض البرقيات مشاعر معادية للولايات المتحدة ذات تأثير فوري، بينما تُثير أخرى مخاوف من أن العلاقات قد تكون في خطر إذا استمرت الحرب لفترة أطول. وبشكل عام، ترسم البرقيات صورة لدول تفقد فيها الولايات المتحدة ثقة شعوبها، وربما ثقة حكوماتها أيضاً.
تحمل البرقيات طلبات مبطنة لإدارة ترامب بمنح السفارات الأميركية المزيد من الحرية لمواجهة هذه الروايات السلبية على الإنترنت وفي وسائل الإعلام التقليدية.
وتؤكد برقية السفارة من جاكرتا، إندونيسيا، على ضرورة “تمتع السفارات بحرية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمرونة وسرعة وفعالية لمواجهة تحدي إحداث تأثير في فضاء رقمي مكتظ”.
ووفقًا لدبلوماسي أميركي ووثائق أخرى حصلت عليها بوليتيكو، فقد صدرت تعليمات للسفارات الأميركية بعدم إنشاء محتوى أصلي حول الحرب الإيرانية لنشره علنًا، واقتصر دورها في الغالب على إعادة نشر الرسائل المعتمدة من البيت الأبيض أو مقر وزارة الخارجية على الإنترنت.
ويشير إرسال هذه البرقيات في حد ذاته إلى تفاقم الوضع في هذه الدول. ويعود ذلك إلى أن العديد من الدبلوماسيين الأميركيين باتوا يخشون التعبير عن آرائهم في ظل إدارة ترامب بعد تهميشهم بشكل كبير من قرارات السياسة الخارجية الرئيسة، وفصل العديد من أعضاء السلك الدبلوماسي، وتأكيدهم “الولاء” لمن تبقى منهم، وفقًا لما ذكره دبلوماسيان أميركيان. ولذلك، قال أحد الدبلوماسيين، الذي مُنح حق عدم الكشف عن هويته كغيره خوفًا من الانتقام: “تتوخى المنشورات الحذر الشديد في اختيار مواضيعها وصياغة عباراتها”.
في المقابل، تستخدم القيادة الإسلامية الإيرانية برامج الروبوت والميمات وغيرها من الأدوات على نطاق واسع من المنصات لتقويض الولايات المتحدة في المجال الإعلامي. كما يلجأ دبلوماسيوها إلى معارفهم في الأوساط الدينية والثقافية والاجتماعية لكسب التعاطف مع طهران.
ردًا على طلب التعليق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت: “إن إجراءات الرئيس ترامب تجعل الولايات المتحدة والأجيال القادمة والعالم أجمع أكثر أمانًا بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. هذه هي الحقيقة، والإدارة بأكملها منسجمة تمامًا مع هذا المسعى”.
التشكيك في ولاء الولايات المتحدة في البحرين
البحرين والولايات المتحدة حليفتان قويتان، وتستضيف الدولة الشرق أوسطية قاعدة عسكرية أميركية تُستخدم كمقر للأسطول الخامس للبحرية الأمريكية. لكن الحرب الإيرانية أدت إلى ترسيخ انطباعات لدى الرأي العام بأن الولايات المتحدة تخلت عن البحرين للتركيز على حماية إسرائيل، وفقًا لبرقية صادرة من العاصمة البحرينية المنامة. وأشار بعض حسابات التواصل الاجتماعي الموالية لإيران إلى أن الوجود العسكري الأميركي “حوّل البحرين إلى هدف”، وأنه ينبغي على القوات الأمريكية مغادرة البلاد، بحسب البرقية.
وتساءلت تغريدة انتشرت على نطاق واسع: “لماذا يتم إيواء القوات الأميركية في فنادق بين المدنيين؟ هل تستحق أميركا التي تخلت عن الخليج من أجل أمن إسرائيل وأهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن تُعرّض الشعب البحريني للخطر؟”، وفقًا للبرقية.
يشير دبلوماسيون أميركيون في البرقية إلى أن جزءًا من المشكلة يكمن في ضعف الرسائل الأميركية خلال الحرب مع إيران، في حين تحركت وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة لإيران وغيرها من أدوات التواصل بسرعة وبأساليب مبتكرة في كثير من الأحيان. وتقول البرقية إن مسؤولين بحرينيين وجهات اتصال أخرى “أبلغونا أنهم قلقون من أنه في غياب رسائل أميركية محلية منتظمة، فإن هذه المفاهيم الخاطئة – التي تضخمها الدعاية الإيرانية والتقارير غير الكاملة في وسائل الإعلام المحلية والدولية – تُهدد بتقويض ثقة الجمهور في التزام الولايات المتحدة بأمن البحرين”.
وما زاد الطين بلة أن وسائل الإعلام البحرينية التقليدية – “التي تخضع تغطيتها لسيطرة الحكومة بشكل كبير” – ركزت بشكل أكبر على ما فعله الجيش البحريني لاعتراض الطائرات والصواريخ الإيرانية “مع إغفال ذكر الدعم الأميركي”. كما لم تُشر البيانات الرسمية للحكومة البحرينية إلى المعدات والتدريب اللذين قدمتهما الولايات المتحدة للقوات المسلحة للبلاد، وفقًا للبرقية. مع ذلك، تشير البرقية أيضًا إلى أن تجاهل البحرين للولايات المتحدة قد يكون نابعًا جزئيًا من “رغبة في حماية الأمن العملياتي للأفراد والمعدات الأميركية والحفاظ عليه”.
وبينما لم تذكر البرقية صراحةً أن السفارة نفسها قصّرت في إيصال رسالتها، إلا أنها أشارت إلى أن حضور السفارة البريطانية المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي “خلق تصورًا مشوهًا لحجم المساعدة البريطانية، وانطباعًا بأن المملكة المتحدة كانت تُعزز دعمها في حين كانت الولايات المتحدة تتراجع”.
ولم يرد سفير البحرين في واشنطن على الفور على طلب للتعليق، وكذلك لم يرد المتحدثون باسم السفارة البريطانية في واشنطن.
تقويض المكاسب في أذربيجان
بحسب برقية من السفارة الأميركية في باكو، عاصمة أذربيجان، فإن الحرب مع إيران قد تُعرقل التقدم الذي أحرزته الولايات المتحدة في علاقاتها مع أذربيجان منذ أن أشرف ترامب على قمة السلام بين أذربيجان وأرمينيا في أغسطس الماضي. وبعد تلك القمة، بدأت وسائل الإعلام الأذربيجانية، التي تهيمن عليها وسائل الإعلام الموالية للحكومة، في تقديم تغطية أكثر إيجابية للولايات المتحدة. كما ظهرت مؤشرات على تنامي المشاعر المؤيدة للولايات المتحدة بين غالبية السكان الأذربيجانيين المسلمين.
في الشهر الأول الذي أعقب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، التزمت وسائل الإعلام الأذربيجانية الحياد إلى حد كبير، مُتماشيةً مع موقف الحكومة. حتى أن غارة جوية إيرانية مزعومة بطائرة مُسيّرة على أذربيجان في 5 مارس أدت لفترة وجيزة إلى تعليقات قومية غاضبة تتهم إيران بالإرهاب. لكن في أبريل، أصبحت وسائل الإعلام الأذربيجانية أكثر انتقادًا للولايات المتحدة.
تقول البرقية: “ألقى معظم الإعلام المحلي باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في بدء الصراع، وافتقارهما لاستراتيجية أو هدف واضح لإنهائه”. أعاد بعض الصحف الأذربيجانية نشر أخبار دولية هذا الشهر تضمنت انتقادات لترامب وعائلته. تشير البرقية إلى أن إعادة نشر هذه التصريحات غالبًا ما تكون بمثابة “جس نبض” من جانب الحكومة قبل أن تبدأ باستخدام لغة مماثلة بشكل مباشر.
وقد ساهم وقف إطلاق النار الأخير في الحرب مع إيران في تخفيف حدة التوترات إلى حد ما، حيث تحولت التغطية الإعلامية الأذربيجانية إلى “تحليلات فنية، وإن كانت لاتزال نقدية، للاتفاق، وإلى تكهنات حول الحسابات السياسية الأميركية والإسرائيلية والإيرانية”. وقد دفعت الهدنة، التي تنتهي في 22 أبريل/نيسان، العديد من الأذربيجانيين إلى “الأمل في أن تُنهي هذه الهدنة الصراع، وسط ارتفاع الأسعار واضطرابات السفر الإقليمية”.
وتشير البرقية إلى أنه على الرغم من أن غالبية المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي في أذربيجان انتقدوا بشدة تصرفات الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن هذه المشاعر لا يبدو أنها أدت إلى زيادة التأييد لإيران في أذربيجان. وتوضح البرقية أن شريحة كبيرة من الشعب الأذربيجاني علمانية وتزدري الحكم الإسلامي في طهران.
ولم يرد مسؤولو الحكومة الأذربيجانية على الفور على طلب للتعليق.
تراجع نفوذ إيران لدى المسلمين في إندونيسيا
وفقًا لبرقية صادرة عن السفارة الأميركية في جاكرتا، تُشنّ إيران حملة نفوذ واسعة النطاق في إندونيسيا، أكبر ديمقراطية ذات أغلبية مسلمة في العالم.
وتُركّز طهران، عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات مثل تلغرام وفيسبوك، على التضامن الإسلامي، مُستغلةً في الوقت نفسه المشاعر المناهضة للاستعمار في إندونيسيا، من خلال تصوير إسرائيل والولايات المتحدة كدولتين إمبرياليتين. وتتسم الجهود الإيرانية بالإبداع في كثير من الأحيان؛ إذ يستخدم البعض شفرة مورس لنقل رسائل مؤيدة لإيران، ما يُشجع على تفاعل المستخدمين، كما جاء في البرقية.
وتُحقق منشورات السفارة الإيرانية “آلاف المشاهدات والتعليقات الإيجابية، فضلًا عن تغطية إعلامية محلية أوسع” مما كانت عليه سابقًا، في حين كثّف السفير الإيراني من نشاطه الإعلامي، بما في ذلك لقاءاته مع العديد من النخب السياسية والدينية الإندونيسية.
أشارت برقية جاكرتا إلى أنه في حال استمرار الحرب وتنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة، فإن ذلك سيُعرّض التعاون بين البلدين للخطر. وذكرت البرقية أن الخطر الأكبر على المدى القريب بالنسبة للولايات المتحدة لا يكمن في تصديق الرسائل الإيرانية بشكل كامل، بل في تضخيم المشاعر المعادية لأميركا إلى درجة تُقيّد هامش المناورة السياسية للرئيس برابوو في مجال التعاون الأمني الإقليمي.
وقد اتخذت إندونيسيا عدداً من الخطوات الأمنية لكسب ودّ الرئيس دونالد ترامب، بما في ذلك عرض إرسال قوات للمساعدة في تأمين غزة والانضمام إلى مجلس السلام التابع لترامب. ويوم الاثنين، وقّعت حكومة برابوو سوبيانتو اتفاقية “شراكة تعاون دفاعي رئيسة” مع الولايات المتحدة.
وأشارت البرقية إلى أن السفير الإيراني دعا إندونيسيا، منذ بداية الحرب، إلى الانسحاب من مجلس السلام. ولا توجد أي مؤشرات على استعداد الحكومة الإندونيسية للذهاب إلى هذا الحد، على الرغم من أنها علّقت، بحسب التقارير، المحادثات مع الولايات المتحدة المتعلقة بالمجلس. وجاء في البرقية: “ترحب السفارة بمبادرات الدبلوماسية العامة الإضافية التي تُعزز سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتُناهض الخطاب المعادي لأيمركا، وذلك بهدف التواصل مع الجماهير ذات الأغلبية المسلمة في ظل الظروف الراهنة”.
ولم يُصدر المسؤولون الإندونيسيون أي تعليق فوري على طلب التعليق.
