لم تعد مشاهد الدمار في جنوب لبنان مجرد تداعيات لحرب مستمرة، بل تحوّلت إلى معطى استراتيجي يعيد رسم معالم المنطقة بشكل واضح. فمع توالي صور الأقمار الاصطناعية التي تُظهر قرى بكاملها وقد سُويت بالأرض، تتكشّف أبعاد جديدة للمشهد، تتخطى الاستهداف العسكري المباشر لتطال مقوّمات الحياة بأكملها. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت هذه العمليات تمهّد لفرض واقع أمني طويل الأمد. وبين المعطيات الميدانية والتحليلات الأمنية، تتضح ملامح خطة أوسع قيد التنفيذ، تحمل في طياتها تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية للجنوب.
وفي قراءة أمنية معمّقة لهذه التطورات، اعتبر مستشار الشؤون الأمنية عماد رزق، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ ما يجري يتجاوز الإطار العسكري التقليدي، ليدخل في سياق “إعادة تشكيل جغرافية الجنوب اللبناني بالكامل”.
وأوضح رزق أنّ “عمليات التجريف لا تقتصر على المباني، بل تشمل البنية التحتية بكل عناصرها: شبكات الكهرباء، المجارير، المياه والاتصالات”، معتبرًا أنّ “هذا النهج يندرج ضمن مفهوم عسكري واضح يقوم على تحويل المنطقة إلى منطقة خالية من أي مظهر للحياة”.
وأضاف أنّ “هذه المقاربة تتقاطع مع ما يطرحه رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، الذي يسعى إلى تحويل المناطق المدنية إلى مساحات غير قابلة للعيش، تحت عنوان إنشاء منطقة عازلة خالية من أي تهديد”، مشيرًا إلى أنّ “تدمير البنية التحتية يهدف أساسًا إلى منع أي إمكانية لعودة السكان”.
ورأى رزق أنّ “ما يُنفّذ في الجنوب يحمل تشابهًا كبيرًا مع التكتيكات التي اعتمدت في غزة والضفة الغربية، سواء لجهة التدمير أو التهجير، أو حتى إنشاء واقع أمني جديد تحت مسميات مختلفة”، لافتًا إلى أنّ “هذه العقيدة باتت تُستخدم كحل أمني موحّد على مختلف الساحات”.
وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ “إسرائيل تسعى إلى فرض خط دفاعي أمامي دائم، عبر تحويل القرى إلى أراضٍ مدمّرة بالكامل، بما يمنع إعادة الإعمار ويكرّس التهجير الدائم”، مضيفًا أنّ “ما يجري لا يقتصر على تدمير الحاضر، بل يستهدف أيضًا المستقبل، من خلال منع إعادة بناء هذه القرى”.
وأكد أنّ “الهدف ليس فقط تفكيك قدرات حزب الله، بل خلق واقع جغرافي وأمني جديد، يمتد حتى نهر الليطاني، عبر ما يُعرف بالمنطقة الصفراء”، مشددًا على أنّ “هذا النهج يختلف جذريًا عن كل ما اعتمدته إسرائيل خلال فترات احتلالها السابقة للبنان”.
وتابع رزق أنّ “العمليات الميدانية تُنفّذ بشكل واسع، حيث تُستخدم جرافات مدنية من طراز D9، إلى جانب قوات هندسية عسكرية، وحتى مقاولين مدنيين لديهم خبرة سابقة في هدم المباني في غزة”، موضحًا أنّ “كل قرية تشهد عمل عشرات الجرافات في وقت واحد، ما يعكس حجمًا هائلًا من التدمير المنهجي”.
وأشار إلى أنّ “هذه العمليات تتم بحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، من خلال انتشار قوات مشاة ودبابات، فيما تعمل الجرافات من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً، قبل الانسحاب ليلًا وترك المنطقة كمنطقة عمليات عسكرية مغلقة”.
وفي تحليل أوسع، لفت رزق إلى أنّ “المخطط يقسّم المنطقة إلى ثلاث مراحل: الأولى تمتد من 0 إلى 3 كيلومترات من الحدود، وهي منطقة تدمير كامل وزرع ألغام ومنع أي شكل من أشكال الحياة؛ الثانية بين 3 و7 كيلومترات، وتُستخدم للمراقبة والتحصين العسكري؛ أما الثالثة بين 7 و15 كيلومترًا، فقد يُسمح فيها بوجود سكاني محدود بشروط أمنية صارمة، ومن دون بنى تحتية حقيقية أو إمكانات بناء تقليدية”.
وأكد أنّ “هذا النموذج يستنسخ ما جرى في غزة، حيث جرى تقسيم المناطق إلى جيوب معزولة، وهو ما قد يُطبّق لاحقًا في الجنوب اللبناني”، محذرًا من أنّ “لبنان قد يكون أمام مرحلة جديدة من التصعيد والعنف لاستكمال هذه الخطة”.
وعن حجم الخسائر، كشف رزق أنّ “التقديرات تشير إلى تدمير نحو 1400 مبنى، بينها مساجد ومؤسسات تربوية وصحية، إضافة إلى نزوح ما يقارب مليون و300 ألف شخص”، معتبرًا أنّ “ذلك يشكّل ضربة مباشرة للإدارة اللبنانية، عبر تفكيك البنية الإدارية المحلية، من بلديات واتحادات ومحاكم وسجلات عقارية”.
ورأى أنّ “هذه السياسة لا تستهدف فقط الأرض، بل المجتمع أيضًا، من خلال خلق بيئة اجتماعية مأزومة، حيث يتحوّل النازحون إلى فئة تعاني من أزمات نفسية ومعيشية، ما قد يؤدي إلى توترات داخلية على مستوى لبنان ككل”.
وفي البعد القانوني، شدّد رزق على أنّ “عمليات التدمير الشامل، خصوصًا عندما تنفذها شركات مدنية، قد تندرج ضمن جرائم حرب، نظرًا لاستهدافها مناطق مدنية بالكامل من دون ارتباط مباشر بالعمليات العسكرية”.
ودعا إلى “تحرّك رسمي لبناني على المستويات كافة، سواء عبر وزارة الخارجية أو القضاء، إضافة إلى تحرّك البلديات وأهالي المناطق المتضررة، لرفع دعاوى وتوثيق ما يجري”، محذرًا من أنّ “التقاعس عن ذلك قد يُفسّر لاحقًا على أنّه تواطؤ أو تغاضٍ عن جرائم موثقة”.
كما أشار إلى “إشكالية التعامل مع قوات اليونيفيل، التي باتت، وفق المعطيات، تخضع لقيود ميدانية تفرضها القوات الإسرائيلية، رغم وجودها ضمن إطار دولي”، متسائلًا عن “كيفية قبول ذلك من قبل جيوش دولية موجودة في الجنوب”.
وختم رزق بالتأكيد أنّ “ما يجري اليوم هو عملية محو جغرافي متكاملة، تُعيد رسم الخرائط وتُسقط المعالم، إلى درجة قد تتطلب مستقبلاً إعادة ترسيم كامل للحدود والعقارات، ما يجعل المسألة تتجاوز البعد العسكري إلى تهديد وجودي طويل الأمد للبنان”.
