البداية كانت في العام 1934،وبينما كان بقية أعضاء الخماسي يستمتعون بحياتهم الاجتماعية الأرستقراطية الصاخبة، كان جون كيرنكروس، الشاب الإسكتلندي القادم من أسرة متوسطة، يعمل بصمت.
كان متفوقاً لغوياً و رياضياً فذاً.
جنده “أنتوني بلانت” في كامبريدج، لكن كيرنكروس لم يكن يميل للظهور؛ لقد كان “الجاسوس التقني” الذي تحتاجه موسكو لاختراق أشد الحصون تعقيداً.
في عام 1942،خلال الحرب العالمية الثانية، تم تعيين كيرنكروس في “بلتشلي بارك”، وهو المركز فائق السرية الذي كان يعمل فيه “آلان تورينج” لفك الشفرات الألمانية المستعصية (الانيجما).
هنا بدأ كيرنكروس طريقه في الجاسوسية التي غيرت وجه الحرب تماماً؛ فقد كان يحصل على مخرجات جهاز “إنجما”الألماني، وبدلاً من أن تظل حكراً على بريطانيا، كان يسربها للسوفييت سراً.
وبفضله، عرف ستالين خطط الدبابات الألمانية في معركة “كورسك” الشهيرة قبل وقوعها، مما مكن الجيش الأحمر من سحق النازيين فيها.
قيل إن ما قدمه كيرنكروس لموسكو كان “أثمن من جيش كامل من مليون جندي”.
في عام 1945 وبعد الحرب، انتقل إلى “الخزانة الملكية” ووزارة الدفاع.
كان كيرنكروس هو من سرب للسوفييت تفاصيل خطط الناتو العسكرية وتطور الأسلحة النووية البريطانية.
كان يعمل بدقة الساعة، لا يترك أثراً، ولا يثير ريبة.
عندما هرب “بيرجس وماكلين” في عام 1951، عثرت المخابرات البريطانية (MI5) على مذكرة في شقة بيرجس مكتوبة بخط يد كيرنكروس.
خضع للتحقيق، لكنه كان بارع ، أنكر بشدة واعترف فقط ببعض “التعاطف السياسي”، فتم فصله من العمل بهدوء وتكتمت الدولة على أمره لتجنب فضيحة أخرى تُضاف لهروب الرفاق.
غادر كيرنكروس بريطانيا وعاش في فرنسا وإيطاليا، وعمل كمؤلف ومترجم ناجح، وظل العالم يظن أن “خماسي كامبريدج” هو في الحقيقة “رباعي” فقط.
لم يُعرف رسمياً بأنه “الرجل الخامس” إلا في عام 1990، عندما كشف منشق سوفيتي هويته بوضوح.
وفي عام 1995، وقبل وفاته بفترة قصيرة، كتب مذكراته التي اعترف فيها بكل شيء، قائلاً ببرود: “لقد كنت أساعد حليفاً (روسيا) ضد عدو مشترك (ألمانيا)، ولم أعتبر نفسي خائناً قط”.
