لا يستطيع الحرس الثوري أن يختار الحرب وحده بلا حساب. فالبحر بات ساحة ضغط متبادلة، لا ساحة تفوق إيراني مطلق. واشنطن صعدت إنفاذها للحصار البحري، وترمب أعلن أن الوقت ليس في مصلحة طهران، مكرراً عبر وسائل التواصل أن “الساعة تدق”. غير أن قوة الخطاب لا تلغي أن الولايات المتحدة نفسها لا تريد، على الأقل حتى الآن، حرباً كاملة جديدة إن أمكن تحويل الحصار والهدنة إلى رافعة تفاوضية. ولهذا يصير المضيق شيئاً أكثر من جغرافيا: إنه محكمة صامتة لاختبار من يستطيع الصبر أطول.
في الخلفية، يبرز لبنان بوصفه الجبهة التي نجحت في انتزاع ما عجزت عنه إيران حتى الآن: تمديداً واضحاً ومعلناً لوقف النار. فقد أعلن ترمب، بعد محادثات في البيت الأبيض بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني، تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله ثلاثة أسابيع، وهو تمديد جاء رغم استمرار الخروقات والاشتباكات في الجنوب. وتقول رويترز إن حزب الله لم يكن حاضراً في المحادثات، وإنه يعترض عليها ويتمسك بما يسميه حق المقاومة، بينما تسعى بيروت إلى انسحاب إسرائيلي، ووقف الهدم، وترسيم الحدود. هذا الترتيب يكشف مفارقة كبرى: لبنان، المستثنى من التفاهم الأميركي–الإيراني، حصل على مسار تفاوضي برعاية مباشرة من البيت الأبيض، فيما بقيت إيران نفسها عالقة بين هدنة بحرية وحصار ومركز قرار غير موحد.
غياب حزب الله عن طاولة لبنان ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه محاولة أميركية–لبنانية–إسرائيلية، كلٌّ من زاويته، لفصل الدولة اللبنانية عن الحركة المسلحة التي كانت، لعقود، من أبرز أذرع النفوذ الإيراني. فإذا نجح هذا المسار، ولو جزئياً، فإنه يضرب إحدى أهم أوراق طهران الإقليمية من دون أن يضطر واشنطن إلى انتزاعها مباشرة في إسلام آباد. ولذلك قد يبدو تمديد وقف النار اللبناني، ظاهرياً، مساراً مساعداً للتهدئة. لكنه في العمق يضغط على إيران من زاوية أخرى: فكلما تقدمت بيروت نحو تفاوض رسمي لا يشمل حزب الله، تآكلت قدرة طهران على تقديم نفسها بوصفها صاحبة الكلمة في “جبهة المقاومة” كلها.
