بعد يومين فقط، تُطرح للشراء مذكرات السيدة الأولى الأمريكية السابقة ‘جيل بايدن’ تحت عنوان “إطلالة من الجناح الشرقي” View from the East Wing.
وكالعادة تسابقت المواقع والصحف الأمريكية على تسريب مقتطفات من كتاب زوجة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن، والتي رافقته على مدار نصف قرن تقريبًا، وكانت أقرب الأشخاص إليه وأكثرهم اطلاعًا على حالته النفسية والصحية وكذلك على خفايا مواقفه وعثراته السياسية.
ولذا تستمد المذكرات أهميتها من كونها “شهادة” من داخل “القصر” على واحدة من أكثر الفترات السياسية اضطرابًا في التاريخ الأمريكي المعاصر.
‘جيل’ Jill التي تبلغ من العمر 74 عاماً، أستاذة جامعية بارزة وأول من جمعت، في تاريخ الولايات المتحدة، بين لقب سيدة أولى وعملها الأكاديمي المستقل خارج البيت الأبيض. وقد تزوجت في سن مبكرة عام 1970 من لاعب كرة القدم الأمريكية السابق ‘بيل ستيفنسون’، ثم انفصلا بعدها بحوالي 4 سنوات فقط. وتعرّفت ‘جيل’ على السناتور الشاب ‘جو بايدن’ في مارس 1975 عبر “موعد غرامي مدبّر” Blind Date رتّبه شقيقه ‘فرانك’، ليخرجه من أزمته النفسية إثر مصرع زوجته الأولى “نيليا” وابنته الرضيعة “نايومي” في حادث سيارة عام 1972، فبقي يربي بمفرده طفليه الناجيين “بوه” و”هانتر”. وبالفعل، تزوّج ‘جو’ من ‘جيل’ عام 1977 وتولّت تربية طفليه، ثم رُزق الزوجان بابنتهما ‘أشلي’ في عام 1981، وعاشا حياةً أسرية مستقرة.
لكن كتاب المذكرات الذي كان يفترض أن يكون شهادة شخصية لسيدة أولى عاشت أربع سنوات استثنائية في البيت الأبيض، تحول -حتى قبل أن يُنشر رسميًا- إلى مادة خصبة للجدل السياسي مثيرًا مخاوف الديمقراطيين الحريصين على عدم إحياء أسئلة محرجة منذ خسارتهم انتخابات 2024 أمام الجمهوري دونالد ترمب، خصوصًا وهم مقدمون على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
ولعل ذلك ما يفسّر استقبال أوساط الحزب التسريبات الأولى للمذكرات بتعليقات تنم عن الغضب والاستياء والقلق من تداعياتها.
أكثر فصول الكتاب (المقرر نشره الثلاثاء 2 يونيو) إثارة للجدل، هو ما يتعلّق بكواليس المناظرة الكارثية بين مرشحيْ الرئاسة بايدن وترمب، في يونيو 2024. إذ تعترف ‘جيل بايدن’ بأنها شعرت برعب لم تعرفه من قبل وهي تراقب زوجها على المسرح. فمع تلعثمه المتكرر وفقدانه التركيز أمام الكاميرا، تسلل إليها خوف بأن الرئيس ربما يتعرض لجلطة دماغية أو أزمة صحية خطيرة أمام ملايين المشاهدين.
وتنقل المذكرات لحظة أن سألت نفسها: “هل يتوقف عقله عن العمل؟ هل هذه جلطة دماغية؟”
وهو تصريح يتناقض مع موقفها العلني في تلك الليلة ذاتها، عندما صعدت إلى المنصة بعد انتهاء المناظرة وأثنت على أداء زوجها أمام الحضور.
بل إن ‘جيل’ تكشف في مذكراتها أن زوجها همس لها بعد المناظرة متسائلاً: هل أفسدت الأمر حقًا؟”. لتجيبه هي بكل صراحة: “نعم، لقد فعلت.”
ويبدو أن ما أثار حفيظة كثير من الديمقراطيين ليس وصف المناظرة “المخزية” التي تابعها مئات الملايين في أنحاء العالم، بل اعتراف ‘جيل’ بأن البيت الأبيض والحملة الانتخابية قد أخطآ حين حاولا تفسير الأداء الضعيف للرئيس بأنه مجرد “نزلة برد”.
هذا الاعتراف ينسف عمليًا الرواية الرسمية التي تبناها مسؤولو الحزب آنذاك، وهم الذين أمضوا أسابيع يدافعون عن أهلية بايدن الذهنية والجسدية للاستمرار في السباق الرئاسي.
وفي أجزاء أخرى من المذكرات، تتناول ‘جيل’ التوترات المتكررة بين إدارة بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة. وتزعم السيدة الأولى السابقة أنها كانت من “الأصوات القليلة” داخل الدائرة المقربة للرئيس التي حذرت من الانجرار خلف الضغوط السياسية والإعلامية التي يمارسها النتنياهو، مؤكدة أن “المصلحة الأمريكية لا تتطابق دائمًا مع الحسابات الإسرائيلية”.
وبالطبع تخلو مذكرات “إطلالة من الجناح الشرقي” من أي إشارة أو “إطلالة” على الحقائق والأرقام التي تكشف أن موجات الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق ‘جو بايدن’، وخصوصًا بعد 7 أكتوبر 2023، كانت “الأضخم” في تاريخ الولايات المتحدة، سواء من حيث التمويل المباشر أو شحنات السلاح أو الدعم العملياتي والاستخباراتي.
فوفق بيانات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي CFR، أقرّت واشنطن مع اندلاع حرب الإبادة أكثر من 16.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية المباشرة لإسرائيل، بينها تمويلات ضخمة لمنظومات الدفاع الصاروخي مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داود”.
أما تقرير مشروع “تكاليف الحرب” Costs of War بجامعة ‘براون’ الأمريكية، الذي نشرته وكالة أسوشيتد برس، فقدّر إجمالي ما أنفقته واشنطن لدعم إسرائيل عسكريًا منذ أكتوبر 2023 بحوالي 17.9 مليار دولار خلال عام واحد فقط، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الدعم الأميركي لإسرائيل خلال فترة زمنية مماثلة.
وبعيدًا عن المبالغات وفلاتر الأكاذيب المعتادة في هذا النوع من الكتب -بهدف “تجميل” الواقع و”تطهير” السيرة- تظل مذكرات ‘جيل بايدن’ جديرة بالمطالعة واستخلاص “العِبر” لمن يعتبر.
“شهادة” من داخل “القصر”..مذكرات السيدة الاولى السابقة
